يتدحرج المشهد العراقي بصورة سريعة نحو مواجهات دموية على إثر القمع المفرط الذي تستخدمه عناصر الشرطة ضد المتظاهرين الذين خرجوا بعشرات الآلاف منذ الثلاثاء الماضي غرة أكتوبر 2019م؛ احتجاجًا على تفشي الفساد في بلاد الرافدين، وبحسب وكالة  الأناضول، فقد ارتفع عدد الضحايا إلى أكثر من 100 قتيل و4000 مصاب.

وأمام الانتقادات الحادة التي توجه للحكومة وجهاز الشرطة، اضطرت الأخيرة اليوم السبت 5 أكتوبر إلى طلاق سراح معظم من اعتقلوا من النشطاء والمتظاهرين، بحسب مفوضية حقوق الإنسان العراقية (355 من أصل 567 معتقلا).

ويملك العراق رابع أكبر احتياطي من النفط في العالم، ولكن 22.5 في المئة من السكان - الذين يبلغ عددهم 40 مليون شخص - يعيشون على أقل من 1.90 دولار في اليوم، وفقا لما قاله البنك الدولي في عام 2014، وبلغت معدلات البطالة العام الماضي 7.9 في المئة، ولكن المعدلات بلغت ضعف ذلك بين الشباب، وتبلغ البطالة بين القادرين على العمل نحو 17 في المئة، كما يكافح العراق للتعافي بعد حرب مجهدة ضد تنظيم "داعش"، الذي استولى على مساحات كبيرة بشمال وغرب البلاد في عام 2014.

وقدرت الحكومة العراقية والبنك الدولي العام الماضي أن الأمر يتطلب 88 مليار دولار لتمويل الإعمار قصير ومتوسط الأجل في البلاد، وما زال نحو مليون شخص مشردين عن منازلهم داخل العراق، بينما يحتاج 6.7 مليون شخص إلى أحد أشكال المعونة الإنسانية، حسبما تقول الأمم المتحدة، والظروف المعيشية شديدة السوء في الكثير من المناطق المتأثرة بالحروب.

وحتى نفهم المشهد العراقي حاليًّا، وأبعاد هذه الاحتجاجات العفوية التي فاجأت الحكومة والبرلمان والقوى السياسية فإنه يتعين معرفة الشواهد والحقائق الآتية:

أولاً: تختلف هذه الاحتجاجات عن كل الاحتجاجات السابقة، فقد اندلعت شرارة المظاهرات دون رعاية من أي قوة سياسية، ويتركز العنف في بغداد وفي المناطق ذات الأغلبية الشيعية في جنوب العراق، وما زال الهدوء يعم المناطق الكردية شمالي البلاد والمناطق ذات الأغلبية السنية في غربها، وسابقا كان التيار الصدري والحزب الشيوعي هم من يقودون المظاهرات، لكن هذه المرة اختلف الوضع؛ فقد انطلقت هذه الاحتجاجات بشكل عفوي فاجأ الجميع الحكومة والأحزاب والقوى السياسية، كما أنها انطلقت دون مقدمات أو مؤشرات ويهمين عليها الفئات الشبابية.

ثانيًا: الهدف الأساسي الذي خرجت من أجله الاحتجاجات هو رفض انتشار الفساد بشكل واسع، وغياب التوزيع العادل للثروة وانعدام العدالة الاجتماعية، وزيادة معدلات البطالة وندرة فرص العمل؛ حيث تسيطر شبكة من المافيا والقوى السياسية على ثروات البلاد ويحرم الغالبية العظمى من الشعب من حقوقهم في بلادهم.

وبحسب الإعلامي والناشط في حقوق الإنسان خالد الصكر، فإن الحراك الحالي جاء احتجاجا ضد الفساد والظلم وتدني المستوى المعيشي وارتفاع نسب البطالة المرعبة؛ بسبب غياب الدرجات الوظيفية وفرص العمل، التي اختزلت لفئات تابعة للأحزاب الحاكمة.

ثالثًا: هناك أبعاد أخرى لأهداف ومطالب هذه الانتفاضة، وبحسب الدكتور هوشيار مالو، رئيس منظمة كردستان لحقوق الإنسان، فهي ليست ثورة فقراء ولا هي ربيع عربي بقدر ما هي ثورة للمطالبة بحقوق مشروعة، ودليل ذلك الشعار الأكثر ترديدًا "إيران بره بره"؛ وهو دليل على امتعاض الشعب من الدولة الجارة من خلال تأثيرها السلبي على السياسة العراقية في نظر المتظاهرين.

ومن أهداف الحراك كذلك، تأكيد عدم الرضا على النظام السياسي البرلماني الذي يقوم على أساس المحاصصة وتقسيم النفوذ والثروة بين الأحزاب والائتلافات الحاكمة؛ فالمحتجون يريدون نظاما سياسيا يقوم على خدمتهم، بعيدا عن المحاصصة والأحزاب، وهو ما يفسر إطلاق هتافات "الشعب يريد إسقاط الأحزاب" ضمن شعارات وهتافات الحراك الشعبي.

رابعًا: تعاملت الحكومة العراقية مع الاحتجاجات بنفس طريقة الحكومات الشمولية المستبدة؛ حيث استخدمت أساليب الدعاية السوداء في تشويه المحتججين وتصنيفهم على أنهم بعثيون وصداميون نسبة للرئيس الأسبق صدام حسين ونظام حكم البعث؛ وذلك بهدف تبرير عمليات القمع المفرط التي استخدمتها الحكومة ضد المحتجين؛ حيث استخدمت الرصاص الحي والمطاطي والقنابل المسيلة للدموع؛ ما أسفر عن سقوط أكثر من 100  قتيل و4 آلاف جريح حتى اليوم السبت 5 أكتوبر2019م. كما قطعت الحكومة شبكة الإنترنت والاعتقالات من أجل وقع الحراك أو تحجيمه.

خامسا: من الناحية القانونية، يرى المستشار القانوني الدكتور محمد جاسم العامري أن ممارسات الحكومة ضد المتظاهرين تعد جرائم يعاقب عليها حسب ما نص عليه الدستور العراقي لسنة 2005، مضيفا أن المادة 38 من الدستور أعطت الحق للعراقيين في التظاهر السلمي، لافتا إلى أن ما تمارسه قوات مكافحة الشغب من وحشية عبر استخدام الرصاص الحي والقنص المباشر وقتل وإصابة الآلاف هي جرائم قتل وفق قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969؛ وكذلك تعاقب عليها القوانين الدولية.

سادسا: التعامل الوحشي من الحكومة وسقوط أكثر من مائة شهيد وآلاف الجرحي سوف يسهم في مد الحراك الاحتجاجي إلى مدن وأماكن جديدة، وأدى إلى تعاطف شعبي واسع، خصوصًا أن المطالب المرفوعة تمثل الغالبية الساحقة من العراقيين باستثناء الأقلية المنتفعة من الوضع القائم.

وبدأت القوى السياسية - التي فوجئت بالحراك - في توظيف الموقف واستغلاله لتحقيق أعلى قدر من المكاسب؛ حيث أعلنت قائمة "سائرون" المدعومة من التيار الصدري تعليق عملها في البرلمان لحين الاستجابة لمطالب الحراك والتحقيق فيما جرى من عنف وقمع وحشي، كما انتقد رئيس الدولة برهم صالح تعامل الحكومة مع المحتجين، بل إن رئيس الحكومة نفسه عادل عبدالمهدي، انتقد تعامل الشرطة مع الحراك، وهو ما دفع جهاز الشرطة إلى إطلاق سراح كل من تم اعتقالهم على خلفية المشاركة في الانتفاضة الشعبية.

وعلى الأرجح فإن الحكومة سوف تعتمد على نظرية الطرف الثالث أو "اللهو الخفي" التي كانت سائدة أثناء ثورة 25 يناير لتحميله المسئولية كاملة عن الجرائم التي ترتكب، بينما يفلت الجناة استعدادًا لارتكاب مزيد من الجرائم والفوضى حتى تكريس هيمنتهم على الحكم والثروة.

وأخيرًا، تبدو سيناريوهات الحراك متعددة؛ الأول: هو احتواؤه وخموده ونجاح النظام السياسي في احتوائه عبر إجراءات جادة نحو المحاسبة والشفافية، وشن حرب شعواء على الفساد والتحقيق الجاد في جرائم وعنف جهاز الشرطة.

والسيناريو الثاني هو فشل الحكومة في احتواء الحراك ومحاولة تسكينه بإجراءات شكلية غير جادة، وهو ما يعني عودة الحراك من جديد وربما بصورة أكبر وأكثر شمولا وامتدادا وعنفا.

والسيناريو الثالث هو تدخل مجموعات مسلحة مجهولة الهوية لإثارة مزيد من الفوضى لدفع العراق نحو التفكك والحرب الأهلية، وهو هدف يسعى إليه الكيان الصهيوني منذ عقود لإضعاف وتفكيك كل الدول العربية الكبرى لضمان وحماية أمن الكيان الصهيوني، وكذلك فإن أطماع إيران في السيطرة على العراق غير خافية وربما تتدخل لحماية النظام الحالي الذي يرتبط بعلاقات وثيقة مع طهران على غرار ما حدث مع نظام السفاح بشار الأسد في سوريا.