الإخوان والتنظيمات السرية

ليس لدى الإخوان المسلمين أية تنظيمات سرية أو النية لعمل تنظيمات تعمل تحت الأرض بعيدًا عن الأعين، فليس هذا من منهاجهم أو توجههم، فضلاً عن أن العمل السري يضر بالعمل الدعوي.

فأما أن التنظيمات السرية لا تتفق ومنهج الإخوان, فذلك واضح من خلال حركتهم ونشاطاتهم في مجالات كثيرة ومتعددة عبر العقود الأخيرة, كما أن لافتاتهم وملصقاتهم موضوعة في كل مكان من أرض مصر شاهدة على أنهم يعملون في وضح النهار وأنهم موجودون وسط الميدان يعيشون مع الناس ويمتزجون بهم ويشاركونهم أفراحهم وأتراحهم.

لقد دخل الإخوان المسلمون انتخابات مجلس الشعب في عامي 84, 87, كما أنهم خاضوا انتخابات مجلس الشورى عام 1989 والمحليات عام 1992 هذا فضلا عن الإنتخابات المتعاقبة للنقابات المهنية المختلفة.

وكان تحرك الإخوان في هذه الانتخابات جميعها علنيا وظاهرا وبارزا بشعاراتهم ولقاءاتهم وبياناتهم. وهم الآن موجودون في النقابات المهنية المختلفة ونوادي هيئة تدريس الجامعة والجمعيات والمجالس المحلية ومن خلال الانتخابات النزيهة الحرة.

ولا يستطيع أحد أن ينكر دورهم في مجلس الشعب عامي 84,87 وتكوينهم لتكتل نيابي باسم جماعة الإخوان المسلمين وكيف أنهم أثروا الحياة النيابية بأفكارهم وآرائهم وتوجيهاتهم في كل الاتجاهات السياسة والاقتصادية والاجتماعية ولذلك كان لمجلس الشعب في هذين الفصلين التشريعيين مكانته ونصيبه في اهتمامات الناس.

ولم يختلف الإخوان المسلمون يوما ما عن الإدلاء بدلوهم وتبيان آرائهم ومواقفهم في آية قضية محلية أو إقليمية أو دولية.

فلماذا بعد كل هذا يلجأ الإخوان لعمل تنظيمات سرية؟

وأما أن التنظيمات السرية تضر بالعمل الدعوي فهذا يرجع إلى أن التنظيمات السرية تعمل في الظلام والظلام بطبيعته يستحيل معه – مهما كانت القيادة نشطة وواعية ومتحركة وجادة – متابعة كل الأفراد (خاصة إذا كان عددهم عظيما) من حيث العقيدة والأفكار والسلوكيات والأخلاق ومدى مطابقة هذا من عدمه مع العقيدة الصحيحة والأفكار الأصيلة للدعوة والسلوكيات والأخلاق الأساسية للإسلام.

ولأن الإخوان المسلمين ينتمون إلى أهل السنة والجماعة ويعتبرون أنفسهم جماعة من المسلمين فإن عقيدتهم وفكرتهم من حيث النقاء والأصالة لا تشوبها شائبة، كما أن مناهجهم واضحة ومتميزة من حيث اعتمادها على الكتاب والسنة والفهم الصحيح الذي أجمع عليه أهل العلم الثقات, وبالتالي فهم حريصون على ألا تشوه دعوتهم من قبل فرد أو مجموعة ومخافة أن تنحرف الدعوة عن مسارها الأصلي, ينبذ الإخوان المسلمون العمل السري ويرونه خطرًا على دعوتهم وعلى أفرادهم.

إن العمل الدعوي في وضح النهار يكشف في وقت مبكر وبدون عناء أي انحراف يصيب العقيدة أو الفكر كما أنه يفضح أي سلوك يخالف تعاليم الإسلام وهديه, وحتى لو حدث هذا فإنه يمكن معالجته سريعا وبشكل ميسور أو أن تنفي الدعوة عن نفسها الخبث فتتخلص مما يريد أن يعلق بها.

غير أن بعض الكتاب من غير المنصفين يحاول الآن وبشكل مبتسر إيهام الرأي العام بأن جماعة الإخوان صاحبة تاريخ عريق في التنظيمات السرية وأعمال الاغتيالات.. إلخ مستشهدين ببعض الأعمال الفردية التي انزلق غليها أفراد من النظام الخاص في الأربعينيات والتي أدانتها قيادة الإخوان في حينها.

ومن الحق والإنصاف القول بأن ظروف البلاد في الأربعينيات ومطلع الخمسينيات من هذا القرن اقتضت أن يشكل الإخوان - كغيرهم من لجماعات الوطنية فى ذلك الوقت - نظاما من بعض الأفراد المحبين للتضحية والاستشهاد للقيام بعمليات جهادية ضد المحتل الإنجليزي الغاصب الذي كان جاثما على صدر مصر وأيضا عصابات صهيون التي كانت ولا تزل تعربد بكل الوحشية والإجرام في أرض فلسطين, وقد أدى هذا النظام الخاص دوره على أروع ما يكون الأداء؛ حيث شهدت ضفاف القناة وثرى أرض فلسطين بطولات خارقة وأعمالا استشهادية فذة للإخوان المسلمين يفخر به كل غيور على بلاده, وقد انتهى النظام الخاص بانتهاء مسببات قيامه منذ أمثر من أربعين سنة ولم يعد له وجود إلا الذكرى (الإخوان المسلمون -3- ذى القعدة1415هـ / 30 من أبريل 1995).

المحاكمات العسكرية للإخوان

ويبقى هنا سؤال: إذا كان هذا هو موقف الإخوان بوضوح, فما سر هذه المحاكمات العسكرية, والإجراءات الأمنية التي تتخذ في حق الإخوان بخصوص تنظيمات سرية تكتشف ما بين الحين والحين؟

ولكي أجيب عن هذا السؤال أود أن أسجل هنا خلاصة لقاء تم بيني وبين ضابط مهم مسئول عن الإخوان في أمن الدولة زارني في بيتي بالقاهرة, في صيف سنة 1995م وكان في لقائه معي غاية في الأدب وقال لي هل عندك مانع أن أوجه إليك بعض الأسئلة لأسمع إجابتك عنها؟

قلت له: لا مانع قط، وأنا رجل من مهمتي أن أتلقى أسئلة الناس وأجيب عنها.

قال: ما رأيك في المحاكمات العسكرية؟ والأحكام التي صدرت فيها؟

قلت: هل تريد رأيي بصراحة؟

قال: نعم.

قلت: الأحكام العسكرية كانت قاسية بل شديدة القسوة على أناس لم يقترفوا جرمًا, ولم يمارسوا عنفًا, فمن المعلوم لديكم أن الإخوان منذ خرجوا من سجون عبدالناصر إلى اليوم ولم يثبت في حقهم أنهم استخدموا العنف أو شاركوا فيه ولا لمرة واحدة.

بل أنتم – ولا شك – تعلمون الصدامات التي وقعت بين شباب الإخوان في الصعيد وشباب جماعة الجهاد؛ حيث يتهمون الإخوان بالتخلي عن مبدأ الجهاد والمهادنة للسلطة, والاستسلام للطواغيت.. إلخ.

قال: ولكن لا يزال في الإخوان جماعات تتدرب على السلاح؟

قلت: جماعة الإخوان جماعة كبيرة وممتدة في شرائح متنوعة ولا يبعد أن يوجد فيها عشرة أو عشرون يفكرون مثل هذا التفكير إن صح ذلك, وأنا أحكم على المجموع لا على الجميع، والمهم هو الاتجاه العام في الجماعة الذي تقوم عليه التربية والثقافة والتوجيه العام. وقد كان الإخوان قديما يحتاجون إلى هذا النوع من التدريب العسكري حين لم يكن هناك تجنيد إجباري أما في عصر التجنيد الإجباري فكل المصريين يدخلون الجيش فلا حاجة لمثل هذا التدريب.

ثم عاد الحديث إلى الأحكام العسكرية وقلت له فيما قلت: ولماذا المحاكمات العسكرية لأناس مدنيين ليس فيهم عسكري واحد, ثم هم لم يمارسوا أي عمليات عسكرية؟ ولم يتجهوا إلى العنف أو يجيزوه بوجه من الوجوه فيما أعلم عنهم أو عمن أعرفه منهم على الأقل.

أعرف من الدفعة الأولى الدكتور عصام العريان أعرفه منذ كان طالبا في كلية الطب, وكان أميرًا للجماعة الإسلامية وقد كان حريصا على أن ينتقل بالطلاب من الغلو والتشدد إلى الوسطية, وكان يستعين بي وبشيخنا الغزالي على ذلك، وأعرفه بعد أن نضج وأصبح وجها إسلاميا مشرفا, له حضور واضح في المؤتمرات والندوات التي تعقد داخل مصر وخارجها وماذا ارتكب عصام العريان حتى يحكم عليه بخمس سنوات؟

وأعرف من الدفعة الثانية: الدكتور عبد الحميد الغزالي وهو أستاذ متخصص فى الاقتصاد الإسلامي, ومدير لمعهد البحوث والتدريب في البنك الإسلامي للتنمية وقد جمعتني به حلقات وندوات ومؤتمرات خاصة بالإقتصاد الإسلامي وهو يعيش بجدة منذ سنوات وليس من نشطاء الإخوان.

قال: ولكنه صار من نشطاء الإخوان بعد أن توفيت زوجته.

قلت: هو لحق! إنه عاد من جدة منذ عدة شهور فقط.

قال: ولكن الإخوان يقيمون تنظيمات مخالفة للقانون؟

قلت له: سأسلم معك بما تقول. ولكن لماذا تلجئون الإخوان إلى مخالفة القانون؟

أنتم تعلمون أن الإخوان جماعة موجودة بالفعل, وتنمو وتتكاثر ككل كائن حي، فلماذا لا تسمحون لها بالوجود القانوني؟ أنتم سمحتم بذلك للشيوعيين والناصريين والقوميين وسائر الفئات إلا الإخوان, أليس الإخوان مصريين؟ أهم مستوردون من خارج تراب الوطن أم هم جزء منه؟

إن الصواب في ذلك: أن يسمح للإخوان بالعمل علانية وفوق الأرض وتحت سمع الدولة وبصرها وبإذن من القانون, بدل أن تلجئهم إلى العمل تحت الأرض، فهذا من حقهم بوصفهم مصريين والتزامهم بالدين وبالإسلام، لا يجوز أن يكون سببا في حرمانهم من ممارسة حقوقهم المشروعة.

ثم قلت: وقد كان الإخوان موجودين بالفعل منذ عهد الرئيس الراحل السادات رحمه الله وكان الأستاذ عمر التلمساني يدعى في الاجتماعات المختلفة باعتباره مرشدا للإخوان قال! قال: ولكن التلمساني كان عنصرا ملطفا بطبيعته الهادئة, وشخصيته الطيبة, ثم لم يكن التنظيم محكما كما هم محكم اليوم.

قلت: الذي أراه مخلصًا أن علاج هذا كله يكمن في الاعتراف بالإخوان كجماعة لها كيانها وأهدافها ونشاطها في حدود النظام العام والقانون.

ونحن أحوج ما نكون إلى تجمع كل القوى وتوحيد صفوف الأمة للبناء والتنمية والرقي بوطننا بعيدا عن التوترات والصراعات أنا أقول هذا بوصفي مصريا مسلما يحب الخير لوطنه, والإعزاز لدينه وقد علمتنى رحلاتي المختلفة إلى أقطار العالم: أن مصر من أرجى بلاد الله لنصرة الإسلام إن لم تكن أرجاها جميعا.

أنا اقول لك هذا بصراحة العالم لا بمناورة السياسي، وأنا ليس لي أي وضع تنظيمي في الإخوان.

قال: نحن نعلم أنه ليس لك أي وضع تنظيمي في الإخوان داخل مصر, ولكن في التنظيم العالمي ألا يوجد لك مشاركة فيه؟

قلت: كان لي مشاركة من قبل ثم استعفيت منذ سنين لأتفرغ لخدمة الإسلام بالعلم والفكر والدعوة, وأعتبر نفسي ملك المسلمين جميعا, لا ملك الإخوان وحدهم, وهذا لا يعني أنني أتنكر لفكر الإخوان أو لدعوتهم, وهم قد يعتبرونني منظّرهم أو مفتيهم, كما أن كتبي تعد من مراجعهم الأولية, وهم أول الناس قراءة لها.

وهناك أسئلة أخرى جرت فى هذه المقابلة’ لا تهمنا هنا, إنما الذيى يهمنا هو التعليق على الأحكام العسكرية.

وبعد أكثر من ساعة انتهت المقابلة, وانصرف الضابط المسئول مشكورا ولم نعرف الهدف من وراء المقابلة ولعله مجرد التعرف أو التعارف, المهم أني قلت ما أعتقد أنه الحق, وبالله التوفيق.