16- وحال رجل في ألف رجل خير من كلام ألف رجل لرجل .

حكمة بالغة

ذلك أن في النفس حب التقليد ... تلك فطرة وغريزة ... قد يستفاد منها تدنياً وتدلياً ، وقد يستفاد منها ترفعاً وتساميا ! والأمثلة أمامنا كثيرة ... في القديم وفي الحديث .

قد يبدأ الانحراف في مجتمع برجل أو امرأة ... ثم يزين للآخرين فيقلدون ، و التزيين كما يكون بالقول يكون بالفعل ، وهو بالفعل أشد وابلغ ! وقوم لوط حين تركوا النساء إلى الرجال { أتأتون الذكران من العالمين * وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون } .

لم يبدأ انحرافهم دفعة واحدة ولا الجميع سقطوا فيه مرة واحدة ... بل ربما بدأ برجلين ثم ما زالت العدوى تسرى ... حتى صارت وباءً على هذا النحو الوبيل ! .

وحتى بلغت بعد ذلك أن صار المعروف منكراً و المنكر معروفاً وصار الطهر - في منطق المنحرفين - جريمة {أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون } .

وعبادة الأصنام ... وهي حجارة لا تضر ولا تنفع ... كيف بدأت ؟

بدأت حباً في رجل صالح أو رجال الحين ... فحاولوا أن يجعلوا لهم تماثيل على هيئتهم وشبههم ... ثم شيئاً فشيئاً راحوا لها عابدين وخروا لها ساجدين ...

ولم يبدأ الجميع دفعة واحدة ... بدأ بها ولهان ضل الطريق وأخطأ الهدف ثم تبعه آخرون مقلدون حتى صارت حجة الكافرين  ر قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين } ، { إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون } ... وهكذا في كل ضلال  !

17- و الخير كذلك ... يبدأ بفرد ... ثم يصير جماعة ....

ثم يصير أمة ... لكن إن بقى وحده على الحق أو الخير  ... فهو كذلك أمة ..  إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفاً ولم يك من المشركين شاكراً لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم ، وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين .

وكل الذين آمنوا بالأنبياء وثبتوا على الحق حتى ماتوا ... بدءوا بفرد ، وانتهوا إلى جماعة  { فمنهم  من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً }

و المثل الأخير ... أمة محمد عليه الصلاة و السلام ، ومن حملوا لواء الدعوة من بعده ... بدأت بمحمد عليه الصلاة و السلام ، وانتهت إلى خير أمة أخرجت للناس !

( ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ...) !

18- لكن أعترف :

أن سريان الباطل و الشر أسرع من سريان الحق و الخير ! ولذلك كان أهل الحق و الخير قلة ! وكان أهل الباطل و الشر كثرة { وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله }

{ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } ذلك أن الصعود أصعب على النفس من الهبوط ، و التدلي أيسر على النسا من التسامي ! لكن الغلبة بإذن الله لهذه القلة ، والظهور بإذن الله للحق على الباطل .

{ كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله }

{ بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون }

ولئن وجدت في الماضي أمم بأسرها ضالة أو كافرة فإن الله سبحانه وتعالى جعل العصمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم للأمة المسلمة ، فلا يمكن أن تضل جميعاً ، بل تبقى دائماً فيها أمة أو ( جماعة ) أو ( طائفة ) قائمة بالحق ظاهرة عليه !

( لا تجتمع أمتي على ضلالة ) ، ( ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ...) !

19- وهذه الطائفة قد تبدأ بواحد :

وقد تكون واحداً و الواحد بالحق وحده طائفة أو جماعة أو أمة .

وفي حديث حذيفة بن اليمان إشارة إلى أنه يمكن أن يكون من على الحق واحد ( تلزم جماعة المسلمين وإمامهم ، قال: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ، قال : فاعتزل تلك الفرق ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك ) .

لكن ليس معنى ذلك الاستسلام ، و البقاء بعيداً عن الناس ... وإنما ينبغي مع ذلك المحاولة ، ولو أدت إلى القليل فنوح عليه السلام مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً ولم ييأس من الإعراض ... حتى آمن به ثلاثة عشر على بعض الروايات فكان هؤلاء القلة أمة ... أنجاها الله وأغرق كل أعدائها { فكذبوه فأنجيناه ومن معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوماً عمين }

و الرسول صلى الله عليه وسلم يعلمنا كذلك ( المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لم يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم ) .

( فوالله لأن يهدى الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم )

( ومن دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً ) .

وصدق الله العظيم { ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين}ومع أن الترتيب الطبيعي هو : قال إنني من المسلمين ثم ( عمل صالحاً ) ثم ( دعا إلى الله ) بعد ذلك ، لكن الله سبحانه وتعالى يقدم الدعوة إلى الله على العمل الصالح ويقدم العمل الصالح على الشهادة  ... بياناً لخطر هذا الأمر ، فيتقدم الخاص على العام ، ويكون التعميم بعد التخصيص تحقيقاً لهذا الهدف .

لكن، مَن قدوات الناس الآن ؟

وبعبارة أخرى ... من يجعلون لهم مثلاً أعلى ؟

20- الهابطون في القاع ، أو الراضون بالدرك الأسفل ..... يجعلون قدواتهم أو مثلهم العليا ... من هم على شاكلتهم أو أشد هبوطاً منهم فيقلدونهم .

وهكذا .... صار الذين يعيشون في مستنقع الشهوات ... مثلاً وقدوات ، وزخرف حولهم الشكل ، وسلط عليهم الضوء وسموا بغير أسمائهم ... نجوماً ، وكواكب وأبطالاً وراح الرجال يقلدون النجوم الهابطة ، ويسيرون وراء الأبطال المزيفين !

وراحت النساء تقلدن الكواكب و النجوم ممن بعن أجسادهن للشيطان بثمن بخس ودراهم معدودة !

ونسوا العفة ، و الشرف والإحصان ... بل صارت العفة تخلفاً و الشرف رجعية والإحصان بدعة وخرافة !

وساقت ( يهود ) العالم الأوروبي والأمريكي إلى تجارة حقيرة باسم التحرر و التمدين ... تجارة الرقيق الأبيض ، حيث يؤجر جسد المرأة الجميلة أو يباع بأبخس الأثمان إلى جوار ما يقدم بغير ثمن ... بالمجان باسم الصداقة و الحب !! .

وأعرض الشباب عن الزواج ، وصارت أكثر الشعوب في أوروبا اليوم مهددة بالانقراض أو بسيطرة الأجانب النازحين إلى تلك البلاد ، وتفككت الأسر وانهارت وشاعت الفاحشة بما يرى الشباب ويسمع في أفلام الجنس وفي البارات و المراقص و الحانات وانهارت القيم شيئاً فشيئاً ... حتى لم يبق على أخص العلاقات وأشرفها : علاقة الأم بابنها ، وعلاقة الأخ بأخته ، وغطى ذلك الفحش الأحط من فحش الحيوان بفلسفات كاذبة وشعارات زائفة تحمل اسم العلم و العلم الحق منها براء !

وحضارة أمريكا وأوروبا اليوم على شفا جرف هار أقرب إلى السقوط الذريع منها إلى التقدم أو حتى إلى الوقوف !

21- وإذا ارتفع الناس في الدرك شيئاً ما أو قل هبوطهم في الدرك شيئاً ما اتخذوا قدوات أرفع في التدلي أو أخف في الهبوط ! فاتخذوا زعماء يدعون بدعوى الجاهلية ... من تعصب للون أو جنس أو وطن ، أو قومية ، مع أنه لا أساس لهذا التفضيل ، ولا دليل على هذه الخيرية !!

 وسارت شعوب وراء زعمائها كما تسير الغنم وراء حزمة من الكلأ ! حتى أوردوهم موارد الهلاك ... إما مادياً أو معنوياً ... وكانت حروب تحت هذه الشعارات و الرايات الجاهلية أكلت الآلاف و الملايين بلا نتيجة ولا هدف ! .

هذا في الدنيا ....

وفي الآخرة فإن هؤلاء الزعماء ... سيكونون قادة كذلك ... لكنهم يقودون أقوامهم إلى النار ... { يقدم قومه القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود } ، { النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب }

ويكون السجال في النار بين السادة و العبيد { إذ تبرأ الذين اتُّبöعوا من الذين اتَّبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب * وقال الذين اتَّبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار }

{ قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعاً قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذاباً ضعفاً من النار  ، قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون * قالت أولاهم لأخراهم فما كان لنا عليكم من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تعملون } ، { وإذ يتحاجون في النار في الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار * قال الذين استكبروا إنا كلñ فيها إن الله قد حكم بين العباد }

22- وحتى إذا افترضنا في هؤلاء الزعماء و القادة ومن هم في موضع القدوة أنهم على الحق و الهدى ... فإنه لا عصمة لبشر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ثمَّ فمن هو في موضع القدوة سوف يخطئ ويصيب ،وإذا أجزنا الإقتداء به أو تقليده فإن الناس من ورائه يقلدونه في الخير و الشر ، في الحق و الباطل ، في الصواب و الخطأ ... وقد يأتي عليه وقت يصيبه الضلال والانحراف فيقع الناس من ورائه في هذا الضلال والانحراف ، والأمثلة كثيرة من القديم يقص علينا القرآن { واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ... }

ومن الحديث..

قصة شيخ ... كان يوماً يسير مع الصادقين ، وفجأة دخل الوزارة مع الطغاة المجرمين ، فإذا به يتحول ويفتى بأن يرى الخطيب خطيبته عارية ، ويفتى أن تمسح المرأة على ( الباروكة ) كما مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمامته .

وأخيراً يتحدث عن السيد الفاضلة ( ... ) ويذكر اسم إحدى العاهرات .

وفي الولايات المتحدة ظهر زعيم مسلم ( أليجا محمد ) وفرح الناس وتبعه آلاف بل ملايين ولكنه كان منحرفاً فانحرف بهذه الملايين ...

كان يجعل صلاة الجمعة يوم الأحد ، وصيام رمضان في الشتاء ... الخ .. الخ

وهكذا لا يصلح البشر غير المعصوم أن يكون قدوة !

أما  قدوتنا..

23- فلا بد أن يكون بشراً ... حتى يكون على الناس حجة ولا بد أن يكون معصوماً ... حتى لا يخطئ أو ينحرف فيضل وراءه الناس وليس ذلك إلا في شخص واحد ... هو محمد صلى الله عليه وسلم ... خاتم الأنبياء و المرسلين الذي نشهد له بالرسالة وفي كل صلاة وفي كل حين إثر شهادتنا بالوحدانية لرب العالمين ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) ذلكم محمد سيد ولد آدم ... قدوتنا .

{ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله و اليوم الآخر وذكر الله كثيراً }

24- ومجال الإقتداء به كبير :

ففي تطبيق الإسلام تطبيقاً عملياً ... الصورة الحية الماثلة أمامنا ... هو رسول الله صلى الله عليه وسلم .

سواء في مجال العقيدة :

إيماناً بالله ويقيناً به ...حباً لله وشوقاً إليه ، رجاء في الله واعتصاماً به ، خوفاً من الله وتوكلاً عليه ... الخ .

أو في مجال الأخلاق :

فقد امتدحه ربه :{ وإنك لعلى خلق عظيم }

وفي حلمه وكرمه وصدقه وأمانته وعفته وشجاعته وتواضعه ورحمته الكثير الكثير ....

لكن المثل الذي أود أذكره هو من صبره ، وصبره على مكاره الدعوة وإنما دائماً ، وإنما الصبر الذي أذكره هنا هو صبره على الجوع حتى يعلم الذين يسيئون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصورونه مع الدراهم و الدنانير كيف كان يعيش رسول الله صلى الله عليه وسلم .

عن أبى هريرة رضى الله عنه أنه قال : دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلى جالساً ، فقلت  يا رسول الله أراك تصلى جالساً فما أصابك ؟ قال :( الجوع يا أبا هريرة ) فبكيت فقال :( لا تبك يا أبا هريرة فإن شدة الحساب يوم القيامة لا تصيب الجائع إذا احتسب في دار الدنيا ) .

وروى أحمد في مسنده كان صلى الله عليه وسلم يبيت الليالي طاوياً - وأهله لا يجدون عشاء - وكان أكثر خبزهم خبز الشعير .

وفي مجال الصلة بالله أو التعبد :

فلقد كان من قبل الرسالة يتعبد في غار حراء ، ويعتكف الأيام الطوال يفارق الفراش ، ويفارق المقام اللين ، ليختلي إلى ربه ويتناجى معه ... على ملة أبيه إبراهيم .

فلما اجتباه ربه واصطفاه ... زاد تعبده ولم يقل ، حتى كان يقيم الليل إلا قليلا ... ويطيل السجود ... وتورمت قدماه ، وقالت له عائشة رضى الله عنها :( لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، قال : أفلا أكون عبداً شكوراً ) صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله ، وفي صيامه كان يصوم ... ولا يفطر ، وإن نهانا - رحمة بنا - عن صوم الوصال وقال تبريراً لما يفعل :( إني أبيت يطعمني ربى ويسقيني ) .

وكان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان ويعتزل النساء ، وفي عامه الأخير اعتكف عشرين يوماً وهكذا ... كان مثلاً في تعبده نحتذيه ، وأسوة نتأسى بها .

وفي مجال معاملاته :

كان الزوج الحنون ... الذي يشارك أهله ... كان في حاجة أهله - كما أوردت كتب السيرة - ويعطيهن حقهن ويقسم بينه بالعدل و القسطاس ، كان إذا خلا بنسائه كان ألين الناس وأكرم الناس ضحاكاً بساماً .

وكان الأب المثالي ... حتى نعته فاطمة يوم وفاته ( يا أبتاه أجاب رباً دعاه ، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه ، يا أبتاه جبريل ننعاه ، فلما دفن قالت فاطمة رضى الله عنها : أطابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ) .

وكان في معاملته مع الناس هيناً ليناً حليماً كريماً : سمحاً إذا باع سمحاً إذا اشترى ، سمحاً إذا قضى ، سمحاً إذا اقتضى ، فهو القائل عليه الصلاة و السلام :(  رحم الله عبداً : سمحاً إذا باع ، سمحاً إذا اشترى ، سمحاً إذا اقتضى ) .

وكان معلماً مربيا ... لجيل لن يجود الزمن بمثله.. ورئيس دولة وضع الأسس و القواعد لتكون نماذج عملية لمن أراد مرة أخرى أن يقيم دولة الإسلام ، وإقامتها فريضة ، وأي فريضة .

---------

من رسالة المبادئ الخمسة