لم يقل أحدٌ منهم ذلك، ولا يستطيعون؛ لأنهم مقيدون - قبل السياسة - بالشرع الذي لم يعط القداسة لأحد من المسلمين، بل كلٌّ يؤخذ من كلامه ويُرَدّ إلا المعصوم - صلى الله عليه وسلم، والنقد - فضلاً عن حتميته في النظام الديمقراطي الذي ارتضاه الإخوان - أساس لانعقاد رأي جماعة المسلمين، فلا يتم الإجماع إلا بالشورى التي تستوعب الآراء جميعًا (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) [الشورى: 38]، (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ…) [آل عمران: 159].

والنبي - صلى الله عليه وسلم - على مكانته وقدره لم يسلم من عتاب الله له، وقد جاءت آيات القرآن ناقدةً رأيه في عدة مواقف، مثل ما جاء في مطلع سورة عبس [عبس: 1-4]، وما جاء في قضية أسارى بدر [الأنفال: 267]، وما جاء في سورة الكهف تعقيبًا على الحوار الذي دار بينه وبين يهود المدينة، وقد سألوه أسئلة تعجيزية [الكهف: 23]، وفي صدر سورة التحريم لمّا حرم ما أحل الله له [التحريم:1]، وفي إذنه للمنافقين بالانصراف عن القتال في غزوة العسرة [التوبة: 43] إلخ.

هذا فضلاَ عما حفلت به السنّة من مراجعة الصحابة، رضوان الله عليهم، إياه صلى الله عليه وسلم، مثل موقفه مع الحباب يوم بدر، ومع عمر يوم الحديبية، ومع السعدين يوم الأحزاب.

إذًا النقد شرعٌ قبل أن يكون ممارسة سياسية، ليس للإخوان اختيارٌ فيه، ومن ثم اعتمد صفهم - وهذا سرّ قوته - على هذه الخصّيصة؛ فلا مجال لطغيان أو استبداد، وإن كان ثمة حالات للانفراد بالرأي فلطبع فردي فيمن يفعل ذلك، وسرعان ما يأتي مرءوسوه بغيره، الذي يكون قد استوعب الدرس وعرف أن بطانته ليس فيهم من يقدمه على شرع الله وثوابت جماعته.

أقول قولي هذا بعد أن ادّعى البعض أن الإخوان يكرهون النقد، ويتأففون من التوجيه، ويعادون الناصحين. وهناك فرق – بالطبع - بين النقد المخلص البنّاء والهجوم الظالم الذي لا يستند لبينة، وأنا هنا لا أتكلم عن المهاجمين للجماعة، من خصومها وأعدائها؛ فهؤلاء إن تصب الجماعة حسنة تسؤهم، وإن تصبها سيئة يفرحوا بها، وإنما مقصدي محبو الجماعة؛ الذين لم يحيطوا علمًا بكل المسائل السياسية والتنظيمية، ويبنون آراءهم - من ثم - على غير أساس، وقد أسقطوا نقدهم على مواقف فرعية وأشخاص معينين، حتى ماعت القضية وقد أشعلوا خلافًا لا طائل من ورائه.

لقد طلع علينا من هؤلاء من يسبُّ ويلعن القادة بألفاظ يعفُّ عن ذكرها القلم، ومنهم من دعا لفصل السياسي عن الدعوي؛ حيث يرى ذلك تأديبًا لهؤلاء القادة!، وهذا اختراعٌ على الإسلام والمسلمين، بل منهم من طالب بإخفاء الإخوان بالكليّة، وأن يقدموا اعتذارًا للشعب و"للنظام القائم" عما اقترفوه! وهذه جميعًا ليست نقدًا، بل تنفيس عن حالات إحباط ويأس من الوضع العام، وإلقاء التبعة على الطرف الأضعف، أو هو عجز عن إيجاد حلّ لما نحن فيه، فيبادر باتهام الآخر - الأقرب إليه عادة - بالتسبب فيما آلت إليه الأمور.

إن الناقد الحق هو من يكون نقده حقيقيًّا مخلصًا لا يثير التنازع، يقدمه على أحسن وجه، ولا يلحُّ في الأخذ به، كأنه وحده الصحيح ورأي غيره خطأ، وأن ينظر عند نقده إلى الحسنات والسيئات، والسلبيات والإيجابيات، وألا تكون له مصلحة خاصة فيما يقول، وإلا سكت؛ كالقاضي الذي يتنحَّى عن نظر القضية إذا تماسَّ مع أحد أطرافها، وأن يكون نقده موجهًا للمجموع، لا ذمَّ فيه ولا انتقاص، ولا سبَّ ولا تجريح.

إنني لا أبرئ الإخوان من الخطأ، ولا يفعل ذلك إلا مكابر، بل أعترف بأن لهم أخطاء ربما زادت عليهم المحنة، وقد أكدت ذلك مرارًا، لكنها لا تستدعي -إطلاقًا - ما وقع من كوارث، خاصة وعامة، إقليمية ومحلية، وإن التحولات المتسارعة على المستويات كافة ليست بسبب الجماعة بكل تأكيد، إنما المتسبب فيها معروف؛ لذا فالمنتظر أن يكون الناقد بصيرًا بما حوله غير خائض مع الخائضين، موضوعيًّا في نظره إلى المسألة، يبتغي فيما يقول التوفيق والإصلاح.

وإن من المؤكد أن قواعد الإخوان تستفيد من النقد؛  ذلك أن الجماعة ليست القادة فقط، بل الجموع الغفيرة الواعية التي تميز الصح من الخطأ، والثمين من الخطأ، واليوم أو غدًا يعرفون من خلال هذا النقد مواطئ النجاة وأماكن الهلكة، فلا ضرر إذًا من انتقاد الجماعة، بالعكس.. فإنهم لا يجيدون إلا به، وكان ديدنهم – ولا يزال - معرفة ما يُقال عنهم، خيرًا أو شرًّا؛ لذا فهم يستعينون بالخبراء والأصدقاء من غيرهم لاستقبال النقد وتلافي الأخطاء.