قد نرى بعض الناس يفرطون في دينهم من أجل الحياة الناعمة، وزهرة الحياة الدنيا، وهؤلاء قد يكون لهم ما يبرر تفريطهم في دينهم وهو الحصول على اللذة العاجلة- وإن كان تبريرًا غير مقبول عند الله- لكن الأعجب والأدهى من ذلك مَن يبيع دينه بدنيا غيره، فلا هو حصل على لذةٍ عاجلةٍ من لذاتِ الدنيا ولا صانَ دينه من الضياع فخسر الدنيا والآخرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وقد ورد عن مالك بن أنس أنه قال: قال لي أستاذي ربيعة: يا مالك، مَن السفلة؟ قلت: مَن أكل بدينه، فقال: مَن سفلة السفلة؟ قلت: مَن أصلح دنيا غيره بفساد دينه"، فصدقني".

سبحان الله.. لقد اعتبرهم الإمام مالك سفلة السفلة، انظر إلى هذا الوصف الذي تشمئز منه النفس، ويكره كل إنسان عنده جزء من الفطرة السوية أن يُوصف به.. فهؤلاء الذين يبيعون دينهم بدنيا غيرهم أُناسٌ ذهبت عقولهم، وإلا ليقل لي واحد منهم ما الذي استفاده عندما فرَّط في دينه ليجعل غيره يتمتع بالدنيا على حساب دينه؟!

خلل في العقيدة

وهؤلاء الذين يبيعون دينهم بدنيا غيرهم عندهم خلل في العقيدة لا شك، فهم يعتقدون أن هؤلاء الكبار بيدهم الأمر فيطيعونهم طاعةً عمياء مخافة أن يقطعوا عنهم أرزاقهم، مع أن الله سبحانه وتعالى قد تكفَّل بالرزق لكل مَن يدب على ظهر هذه الأرض، حيث قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6)﴾ (هود).. بل أكثر من ذلك أقسم الله عز وجل في سورة الذاريات على أن الرزق حق وسيأخذه الإنسان لا محالة، حيث قال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ (23)﴾ (الذاريات).

وقد يخافون من القتل، مع أن قضية الأجل محسومة في القرآن الكريم، حيث يقول المولى عز وجل: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (34)﴾ (الأعراف).. وأخبرنا المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها.

الكبار يتبرءون من الصغار

وما أعجب هذا الموقف الذي يقف فيه الكبار والصغار بين يدي الله عز وجل.. الكبار الذين أَمروا بالفساد والصغار الذين استجابوا لهم ونفَّذوا أوامرَ الكبار دون أن يفكِّروا بعقولِهم التي وهبها الله لهم، هل هذه الأوامر تُغضب الله أم تُرضيه.. وقد جاء هذا المشهد في أكثر من موضع من القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ (167)﴾ (البقرة).. وجاء في سورة سبأ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنْ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ (32) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (33)﴾ (سبأ).

ونلاحظ في الآيات السابقة وصف كلٍّ من المستكبرين والمستضعفين بالظالمين، نعم كلاهما ظالم، فالمستكبر ظالم بتجبره وطغيانه وبغيه وتضليله، والمستضعف ظالم بتنازله عن كرامته، وحريته وخنوعه وخضوعه للبغي والطغيان، وعدم إعمال عقله الذي وهبه الله له ليفكر به ويعرف الخطأ من الصواب.

ويقول الشهيد سيد قطب معلقًا على هذه الآيات: "يُلقي المستضعفون على الذين استكبروا تبعةَ الوقفة المرهوبة المهينة، وما يتوقعون بعدها من البلاء! يقولون لهم هذه القولة الجاهرة اليوم، ولم يكونوا في الدنيا بقادرين على مواجهتهم هذه المواجهة.. كان يمنعهم الذل والضعف والاستسلام، وبيع الحرية التي وهبها الله لهم، والكرامة التي منحها إياهم، والإدراك الذي أنعم به عليهم.. أما اليوم وقد سقطت القيم الزائفة، وواجهوا العذاب الأليم، فهم يقولونها غير خائفين ولا مبقين! ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾!

ويضيق الذين استكبروا بالذين استضعفوا.. فهم في البلاء سواء، وهؤلاء الضعفاء يريدون أن يحملوهم تبعة الإغواء الذي صار بهم إلى هذا البلاء! وعندئذ يردون عليهم باستنكار: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنْ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ﴾!

فهو التخلي عن التبعة، والإقرار بالهدى، وقد كانوا في الدنيا لا يقيمون وزنًا للمستضعفين ولا يأخذون منهم رأيًّا، ولا يعتبرون لهم وجودًا، ولا يقبلون منهم مخالفةً ولا مناقشة! أما اليوم- وأمام العذاب- فهم يسألونهم في إنكار: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنْ الْهُدَى﴾.. ﴿بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ﴾.. من ذاتِ أنفسكم، لا تهتدون، لأنكم مجرمون!

لقد كرمهم الله بالإدراك والحرية، فعطلوا الإدراكَ، وباعوا الحرية، ورضوا لأنفسهم أن يكونوا ذيولاً، وقبلوا لأنفسهم أن يكونوا مستذلين.. فاستحقوا العذاب جميعًا، وأصابهم الكمد والحسرة وهم يرون العذاب حاضرًا لهم". (ظلال القرآن بتصرف يسير).

ونرى في سورة الأحزاب اعترافًا صريحًا من الضعفاء الذين أطاعوا سادتهم وكبراءهم في الفساد والغي والضلال فأضلوهم الطريق الصحيح: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (68)﴾ (الأحزاب).

فهل من معتبر؟

ألا فليفكر كل مَن يصلح دنيا غيره بفساد دينه في هذا الموقف العظيم الذي يقفه يوم القيامة وقد تبرأ منه كبراؤه الذين أمروه في الدنيا فسمع وأطاع غير آبهٍ بغضب الله عز وجل، ألا فليتذكر مرارةَ الحسرة التي سيتجرَّعها يوم القيامة عندما يرى العذاب يُصب على الكبار ومَن اتبعوهم في الغي والضلال والفساد، ألا فليعلم أن الكبار لن يغنوا عنه من الله شيئًا، فهو الذي فرَّط في كرامته وحريته وأصبح كالدمية يحركها الكبار كما يشاءون.. فهل من معتبر؟!