من تراث أ. د. عبد الحليم عويس

للدعوة ثوابت- في العقيدة والشريعة والأخلاق والإطار الحضاري- لا يجوز المساومة عليها، فبدونها يتعرض الإسلام- في ركائزه وشُعَب إيمانه- إلى فوضى، ويصبح خليطًا من القيم والتصورات المتناقضة التي يهدم بعضها بعضًا، وتتلاعب بها عقول اللاعبين، وأهواء المنافقين، وهذه الثوابت بعيدة عن تقلبات العصور والأماكن، إلا في أساليب عرضها وآليات نشرها، وفقه عرضها، بَيْد أن هناك مساحةً أخرى تتصل بفقه الدعوة وفقه الداعية تبقَى قابلةً في كل عصر للتطوير والتحديث، بل إنَّها لَتختلف من مخاطب إلى مخاطب آخر، ومن بيئة إلى بيئة أخرى، فما قيل في قرن مضى قد لا يقبله الناس اليوم، وما يخاطَب به أهل البادية والريف قد يختلف عن خطاب أهل الحضارة والثقافة.. وهكذا.

ونحن نرى أن (الداعية المعاصر للإسلام) يحتاج إلى زادٍ كبير، وفقهٍ عميقٍ للإسلام، وبوسائلِ عرضه ونشره، كما يحتاج إلى فقهٍ كبير بالعصر الحديث بقارَّاته التي تختلف ثقافةً واقتصادًا واجتماعًا.

وإذا كانت آليات البلاغ قد تطورت تطورًا معروفًا من خلال الإذاعات والشاشات والإنترنت، وغيرها من وسائل الإعلان والدعوة، فإن الداعية المعاصر في حاجة إلى الفقه والوعي والثقافة التي تمكِّنه من تقديم الإسلام تقديمًا يعبر- بجلاء والتزام- عن ثوابت الوحي، لكنه في الوقت نفسه يُحسن الدخول الجيد إلى "العقل والضمير" بكل ما يحتشد به هذا العقل من أفكار وتطورات وأنماط حياة.

وفي النقاط التالية نقدم بعض المنطلقات والمعالم المتصلة بفقه الداعية والدعوة والتي نراها ضرورية للداعية المعاصر للإسلام.

أولاً: الدعوة إلى الإسلام.. إحياءٌ للفطرة:

على الداعية أن يفقه الصلة العميقة بين حقائق الإسلام والفطرة الإنسانية، وبالتالي فعليه أن يُخاطب الكيان الإنساني إلى فطرته النقيَّة التي فطر الله الناس عليها.

وليس بالشريعة أو القانون يصنع الإسلام الحياة، ويقود الإنسانية، فالإسلام- ابتداء- دين الفطرة، وكل مولود يولد على الفطرة.

فالإسلام قبل أن يضع القوانين، وبعد أن يرسي أساس الربوبية يقيم دعامات أخرى إنسانية يشيع بين الناس أواصر الرحمة، والحب والتسامح، والفضل، والتعاون، ومراقبة الضمير، وخشية الله إلى غير ذلك من المعاني الكريمة.

والآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة التي تؤكد هذه المعاني أكثر من أن تُحصَر، بل إن أبرز معالم الصياغة الإنسانية للمجتمع في المنهج الإسلامي تؤكد على إيمان الإسلام "بنظافة الفطرة الإنسانية"، وبأنها لم تولد آثمة أو خاطئة، وبأن ما يلحقها من عيوب إنما هو حصاد تأثرها بأوضاع غير كريمة في المجتمع، تطورت وتأكدت عبر العصور، وبأن الإسلام يعتمد في تشريعاته على هذا الرصيد الكريم للفطرة، ويحاول تحريك الإنسان بالإرادة الذاتية من خارجه، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد من الآية11)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت:69)، ويضاف إلى موقف الإسلام من التناغم مع الفطرة، موقفه من جوانب الإنسان الفطرية بالطرق الحلال، وتصعيد كل غرائزه، وليس كبْتها أو حرمانها بالرهانية المبتدَعة، أو الزهد الكاذب، "فالإسلام ليس عقيدة صوفية، ولا هو فلسفة، ولكنه منهج للحياة حسب قوانين الطبيعة التي سنها الله لخلقه، وما عمله الأسمى إلا التوفيق التام بين الوجهتين الروحية والمادية في الحياة الإنسانية، كما يقول اليهودي المهتدي إلى الإسلام "محمد أسد"- رحمه الله-، وينبني على هذا إعطاء الإسلام كل ذي حق حقه، في توازن وبلا إفراط أو تفريط، فللرجل حقه كإنسان، وللمرأة حقها، وللابن حقه، وللأب حقه، وللضيف حقه، وللمريض حقه، وللعاجز حقه، وللفقراء والمساكين واليتامي والمعوقين وأشباههم حقوقهم، فالإسلام للجميع؛ لأنه للإنسان لمجرد أنه إنسان.

ثانيًا: السنة والسيرة هما الترجمة للقرآن:

لينطلق الداعية من حفظ القرآن وفقهه أو تفسيره إلى ربط القرآن بالحياة الواقعية، وهنا سيعود الربط الكامل بين القرآن الكريم والسنة الصحيحة، ولو لم يرَ المسلمون في رسول الله- صلى الله عليه وسلم- "قرآنًا يعيش بينهم" لمَا وجدوا النموذج العملي الذي يحوِّل لبِناتهم ليكونوا- بحق- خير أمة أخرجت للناس، فليس بالفكر والتنظيم وحده يمكن تغيير الأفراد والمجتمعات.

أجل، إن السُّنَّة النبوية الشريفة هي السلوك الحي والتطبيق، بل التفسير الأول العملي للقرآن، فهي الدليل الواقعي الذي قدمه الرسول- صلى الله عليه وسلم- قولاً وعملاً على أن الإسلام دين سماحة ويسر، وقابلية كاملة للتطبيق من كل الناس.

ومنذ أربعة عشر قرنًا من الزمان والسنة تمثل المفتاح الذي يُفهم به أسلوب الحياة الإسلامية،، ويُفهم به سبيل العودة إليها، وطريق النهضة الإسلامية بوجه عام.

أليست هي المثال الذي أقامه لنا الرسول من أعماله وأقواله؟ أليست هي التفسير الأول الصحيح للقرآن الكريم؟ فهي تُمرِّن الإنسان بطريقة فردية منظَّمة على أن يَحيا دائمًا في حالٍ من الوعي الداخلي والضبط واليقظة "اعبد الله كأنك تراه"، وهو إذا فعل ذلك يقدم بعمله وسلوكه رسالةً دعويةً مستمرةً ومتجددة لكل الناس، رسالة السلوك الفردي القدوة!!.

وهي تمرن الإنسان على أن يكون نافعًا اجتماعيًا وإيجابيًا في مواجهة العادات والتقاليد، ومتمسكًا مع مجتمعه الصغير والكبير، وهي أيضًا رسالة دعوبة اجتماعية مستمرة ومتجددة، وهي تجعل من إشعاعات الرسالة المتمثلة في سلوك الرسول وصحابته حقيقةً يمكن أن يتمثلها المسلم العادي الصغير الموجود في تركيا، أو باكستان، أو الجزيرة العربية، أو أندونيسيا، أو مصر، أو إيران، فكلهم يستطيع أن يتمثل- مع اختلاف في مستوى التمثيل- شخصية أعظم مثل أعلى في التاريخ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم.

فالربط الكامل بين القرآن (الدستور والفكر) والسنة (النموذج والحياة الواقعية) من ضرورات فقه الدعوة في هذا العصر الذي كثُر فيه الكلام وقلَّ العمل والصدق والقدوة!!.

ثالثًا: الدعوة صناعة بشر ممتازِين لا ملائكة معصومين:

إنسانية الإنسان وكرامته وواجباته وحقوقه وحقوق الله وحقوق العباد هي المحيط الذي يتحرك فيه الداعية ليصنع أُناسًا ممتازين في نطاق البشرية، لا ملائكة ولا رافضين للحياة، أو مدمِّرين لها.

ولقد يظن بعض الناس أنه من المفروض على الأنبياء أن يحوِّلوا البشر إلى ملائكة، وأن أتباع الأنبياء يجب أن يخرجوا من نطاق بشريتهم، وهذا في الحقيقة من الظن الباطل، فليس من الممكن ولا من المطلوب إخراج الناس من طبيعتهم، بل المطلوب إعادتهم إلى فطرتهم بعيدًا عن الزَّيف الفكري والحضاري اللاديني.

وكل ما تصنعه المبادئ الرفيعة في رحلة التاريخ- وعلى رأسها الإسلام- أنها تجعل الإيقاعات البشرية متناغمة لا متنافرة، وأنها تحُول دون أن تقضي الشوائب والسلبيات على نهر الحياة الإنسانية، فيبقى الشر، وخاصَّةً في مراحل الازدهار، محصورًا في جوانب قليلة وفي دائرة الشذوذ بينما يمتد الخير إلى معظم الساحة الإنسانية، ويمثل بالتالي قاعدة الحياة الإنسانية.

إن المجتمع الذي لا أخطاءَ فيه ليس مجتمعًا إنسانيًا، ومثل هذا المجتمع لم يوجد، ولا يمكن أن يوجد في التاريخ البشري، والفترة التي وُجد فيها الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- لاسيما في لحظات انتصارهم وسيطرة مبادئهم التي هي أعلى المراحل التي يمكن أن تصل إليها البشرية، إنه المثال الذي تصنع العناية الآلهية في نموذج تاريخي واقعي؛ لكي تبقى البشرية متفائلة مُقاوِمةً للشرّ، ساعيةً إلى الوصول إلى أقرب نقطة ممكنة من هذا المثال الحي الواقعي.

وليس في طريق الطبيعة الإنسانية أن يقوى الناس جميعًا- أو أكثرهم- على الوقوف طويلاً في القمة والتشبث بمواقع البطولة والمثال.

كما أنه ليس مطلوبًا من كل الناس أن يكونوا في مستوى "أبي بكر الصديق" الذي يتبرع بكل ماله، إن "أبا بكر الصديق" مجرد نموذج للمثال، أما المستوى المتناغم مع الطبيعة البشرية فهو المستوى الذي حدَّده الرسول- عليه الصلاة والسلام- عندما منع "سعد بن أبي وقاص" من أن يتصدق بكل ماله، بل طلب منه أن يذَر ورَثته أغنياءَ لا يتكففون الناس، وحسبه أن يهب ثلث ماله، بل إن الثلث كثير.

ونموذج الأنصار، الذين منحهم الله في القرآن الكريم أرفع درجةً في التاريخ، هو أيضًا مجرد نموذج للمثال الذي يقدم أروع صورة تستطيع البشرية أن تقترب منها، وليس شرطًا أن نكون جميعًا في مستواها، فيصبح كل مسلم قادرًا أن يقول لكل مسلم، انظر أيَّ مالي أطيب فخذه، وانظر أيَّ زوجتيَّ شئت فأطلقها لتتزوجها، إن هذا المستوى يمثل النموذج الإنساني الذي يمكن أن يرتفع إليه البشر، إنه مستوى القمة والمثال، وليس من الموضوعية أن يُحاكَم التاريخ البشري بأقوى مما تطيقه البشرية.

رابعًا: الدعوة تنتشر بالحكمة والقدوة وليس بالفتوحات:

ليعلم الداعية- وكل مسلم يمكن أن يكون داعيةً بشروط معينة، وفي مستوى معين- أن الدعوة الإسلامية نجَحت عن طريق الدعوة الفردية أو الجماعية بالحكمة والقدوة، أي بالداعية المخلص، والتاجر الصادق الأمين وغيرهما، وأن دور الفتوحات الإسلامية كان إزالة الحواجز، وتأمين طرق البلاغ، والحفاظ على كيان دولة الإسلام فلم يكن انتشار الإسلام بالفتوحات الإسلامية ومع تقديرنا العظيم لجهود سلفنا الصالح في العصرين، الراشدين والأموي في مجال الفتوحات، إلا أننا نعلم علم اليقين أنهم ما قصدوا من وراء فتوحاتهم إدخال الناس في الإسلام مُكرهين، وما قصدوا أن تَفرض هذه الفتوحات الإسلام على الناس، ولوكان الأمر كذلك لما بقي في الهند حتى اليوم- وقد حكمها المسلمون حُكمًا مطلقًا ثمانية قرون تقريبًا- أغلبيةٌ هندوكية، بل إن الهند الآن محكومة بحزب هندوسي متطرف، وإنما كانت الفتوحات دفاعًا عن الإيمان نفسه، كانت طريقًا لمقاومة الصورة التقليدية الكاذبة المشوَّهة التي يصر أعداء الدين والحق والخير والإيمان أن يرسموها للإيمان، إنهم دائمًا يخشَون أن يعرف الناس الحق والخير والإيمان على حقيقته؛ لأن مجرد هذه المعرفة الصحيحة- مع ما تُوحيه بالضرورة من المقارنة مع الباطل والإلحاد فكرًا وحياةً وسلوكًا- ستنتهي بالنتيجة الحتمية لصالح الإيمان.

حقًّا كان الأباطرة الهرقليون في الإمبراطورية الرومانية ودهاقنتهم، وكان الأكاسرة في الإمبراطورية الفارسية وسدنة النار أو الأوثان عندهم، كان هؤلاء وأولئك يحرصون الحرص كله على تنفير الرعية من الإسلام، وتصوير العرب الذين يحملون رايته على أنهم وحوش دفعهم الجوع وجدب الجزيرة العربية على العالم!!.

وكانت الدولة الإسلامية الناشئة- في المدينة المنورة- تعيش في رعب دائم،  ومن هنا كانت لا تفتأ ترسل السرايا والغزوات لتؤمِّن الحدود ولتفرض هيبتها؛ لأنها كانت تعلم علم اليقين أن اليهود الذين يعيشون داخلها، ومعهم جماعة المنافقين يعادونها ويتربصون بها الدوائر وينتظرون الهجوم الخارجي؛ ليضعوا أيديَهم في يده، مهما كانت طبيعة المهاجمين، فاليهود لا يأبهون بالمبدأ، ولا تجمعهم بأي أحد جسور مشتركة، وهمهم الانتصار العاجل حتى ولو وضعوا أيديهم في يد الوثنيين ضد أهل كتاب مثلهم!!.

وعلى الحدود القريبة يقف أهل مكة وتوابعهم في الجزيرة العربية يلاحقون مدينة الإسلام الناشئة ويدخلون معها المعارك تلو المعارك، بدءًا بغزوة بدر الكبرى وانتهاءً بغزوة الخندق ثم صلح الحديبية!!.

أما الحدود البعيدة فتقف الدولة الرومانية عليها تحرك توابِعَها من الغساسنة، وتتربَّص بالدولة الإسلامية الناشئة التي أرسلت الرسل إلى الملوك تدعوهم إلى الدين الجديد، وتُقيم عليهم الحجة، وتُحمِّلُهم المسئولية الكاملة على أنفسهم ومواطنيهم.

وتقف الإمبراطورية الفارسية كذلك على جانب من الحدود تُحرك توابعها المناذرة للتربص بالدولة الناشئة والكيد لها.

وهذه القوى أوجبت على الإسلام أن لا يغمض عينيه عنها، وفرضت عليه الاشتباك وهو في مهده، بمعارك معروف سلفًا أنها بين قوى غير متكافئة، وهكذا دفع المسلمون ثمنًا غاليًا في "مؤتة"، واستشهد ثلاثة من خيرة صحابة رسول الله- عليه الصلاة والسلام-، فضلاً عن مئات غيرهم.

فلم تكن الفتوحات- إذن- قرارًا إسلاميًا هجوميًا، وإنما كانت قرارًا دفاعيًا فرضته القوى الشريرة التي لا تؤمن أبدًا بحق الآخرين في التعبير عن عقائدهم فكرًا وسلوكًا.

ولو كان العالم مفتوحًا للحوار العادل الصادق في مناخ سليم، لما كانت هناك حروب غالبًا، بل إننا نجد الرسول- عليه الصلاة والسلام- يقبل من أهل مكة شروطًا مجحفة ظالمة؛ بحثًا عن السلام؛ لأنه يرى أن السلام هو فرصة الإسلام دائمًا للانتشار والازدهار، وفعلاً كانت الفترة بين صلح الحديبية وفتح مكة من أزهر فترات الانتشار الإسلامي، ودخل الناس في دين الله أفواجًا.

فالدعوة كانت هي البداية، وكانت هي الطريق، وكانت هي الهدف الثابت والأبقى، ويجب أن تبقى كذلك في فقه الدعاة، ولاسيما العصر الحديث عصر الإعلام والفضاء وتقارب المسافات.

خامسًا: توجيه روحي وأخلاقي للثقافة والعلوم والأعمال:

لا يستطيع داعيةٌ أو غيره إنكار أننا في عصر العلوم والصراع الثقافي، وإنه لمن العجز تجاوز هذه الأرضية، بل إنَّ على الداعية الوقوف فوق أرضيتها، مطالبًا بأن يكون لهذه العلوم والثقافة توجيه روحي ورسالة أخلاقية، فالمسلم داعية للعلم والثقافة، شريطة أن يكون لهما وظيفة روحية وأخلاقية.

ولقد دعا العلامة "مالك بن نبي" إلى بناء ثقافي إسلامي للمسلم المعاصر، يعتمد ابتداءً على التوجيه الروحي والأخلاقي للثقافة، بهدف تكوين صلات اجتماعية منسجمة ذات نظرة أخلاقية إسلامية للحياة والكون.

وهو يرى أن منظومة العالم الروحي التي تستطيع أن ترقى بفاعلية الفرد والمجتمع إلى مستوى العطاء النموذجي لابد أن ترتكز على عدة محاور أساسية، هي:

1- محور الإخلاص الذي يتكفل بتجريد نية المسلم وقصده لله وحده.
2- محور المراقبة التي تفرض الاستشعار بحضور الله الدائم في حياتنا.
3- محور المحاسبة للنفس دفعًا لها إلى تصويب الخطأ.
4- محور التوبة الذي يتكفل بفتح الطريق أمام الفرد للعودة إلى توازنه النفسي والاجتماعي.
5- محور التوكل الذي يعني تفويض الأمر إلى الله والثقة فيه وطلب العون منه.
6- محور الارتقاء بالسلوك الإنساني كهدف محوري لحركة البناء الحضاري "علميًا وجماليًا" وطموحًا فرديًا وانسجامًا اجتماعيًا.

وفي كتابه (دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين) عالج الشيخ "محمد الغزالي" الآثار الأخلاقية في مجال الحياة بعامة والدعوة بخاصة، وكان مما نبَّه إليه الشيخ "الغزالي" في رصده لأبرز صور التفكك بين المسلمين ضرورة التركيز على علاج أمراض النفوس والقلوب، فإن المعاصي البدنية شهوات محدودة الخطر- على قبحها وسوء مغبتها- فالإسراف في الطعام مثلاً يسلب المرء عفته، وربما كانت للبدن تطلعات أشد ضراوةً، ومع ذلك فهي أدنى من جنون العظمة أو عبادة الذات التي تقود إلى الفرعنة وقسوة القلب وإهلاك الحرث والنسل في سبيل المجد الشخصي.

وللأسف فإن الكثير من العاملين للإسلام انحرف ميزان العدل عندهم، فوقعوا تارةً في إهدار الذات وإهانتها، وتارةً في تضخيمها والتقليل من شأن إخوانهم وأساتذتهم، أو من شأن الآخرين الذين يخالفونهم في بعض الآراء وبعضهم حريص على تأجيج صراعات عنصرية مذهبية أو فكرية أو فقهية أو وطنية، والمهم عنده تضخيم ذاته وتحقيق الاغترار بالنفس وبمن معه في فرقته أو جماعته!!.

والمؤلم أن الاغترار بالنفس، أو الدوران حول الذات لا يبدو في طلب الرياسة بالأساليب غير الكريمة وحسب... كلا، إنه قد يبدو في الإنقاص من شأن رجل معروف أو اعتناق رأي شاذّ، أو المكابرة في حوار، أو ما شابه ذلك من مواقف لأُناس يعملون في الميدان الديني أو الميدان المدني على سواء.

وقد ورد أن هؤلاء أول من تُسعَّر بهم النار يوم القيامة: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (القصص: 83)، وفي ميدان التدبير تعتبر الطاعات التي يقوم بها هؤلاء ستارًا لنيات مغشوشة أو ترجمة معكوسة لما يكمن في عقولهم الباطنة، فهم أناس سيطرت عليهم علل نفسية خبيثة، وبدل أن يستشفوا منها استبقوها وستروها، إنهم مرضى أخلاقيًا ويجب أن يعالَجوا.

ويضرب الشيخ "الغزالي" أمثلةً للإصلاح يجب أن يستوعبها الدعاة وهم يعالجون أمراض الناس، فعندما يكون المرء بخيلاً مثلاً، فعلاج شحه أن يتعلم الكرم ويتعوده، فيصبح على مرّ الأيام إنسانًا طبيعيًا، أما أن يلجأ إلى الصلاة الطويلة كي تُخفى نقيصته فذاك لا يُجديه، وسيبقى بخيلاً ولو صلى آناء الليل وأطراف النهار.

إن هؤلاء المرضى بالشذوذ والحقد يُكثرون من التلاوة وصورة العبادة، وينتهزون الفرص التي تتنفس فيها طباعهم فيضربون ضربتهم، وقد كانوا كثيرًا في جيش "علي بن أبي طالب"، ولكنهم شغلوا عليًا عن هدفه حتى انهزم، وكانت صيحتهم "لا حكم إلا لله" وكان تعليق "عليّ" (كلمة حق أريد بها باطل).

إن المتدينين من هذا الصنف الغاشّ بلاءٌ على الدين، وعقبةٌ أمام امتداده، كان "ابن عمر" يراهم شرار الخلق، وقال: "إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين"، إن إيمانَهم لا يجاوز حناجرهم، أي لا يعلق بخلقهم وعملهم شيء من لبّ الدين إنما هي صور عبادة، وصوت قراءة، إلى جانب فظاظة في الأخلاق، وقساوة في الأفئدة، وقباحة في الأعمال، وتلك كلها خلال تنافي الإيمان، فالإيمان إنكار للذات وحب للغير، وستر على المخطئ وسعي لإقالته من عثرته، وسرورٌ غامر بتوبته.

الإيمان توقير للكبار، ورحمة بالصغار، وتكريم للعلماء، الإيمان سعادة بالرخاء يشيع بين الناس، وألَمٌ للكوارث التي يقطب لها الجبين، ولو كان هذا أو ذاك خبرًا ينقل لا علاقة لشخصك به، وهذا الإيمان الودود هو ما يجب أن يحمله الداعي المسلم للبشرية؛ حتى يكون على خُطى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لقد آن فض الاشتباك بين من يصلحون العقيدة، ومن يصلحون النفس والقلب، ومن يصلحون العقل، ومن يصلحون الظاهر أو الباطن، فكل هذ الجوانب كلٌّ لا يتجزأ، وبعضها يرشح على بعضه، سلبًا وإيجابًا، وإذا ما أعدنا الأمور إلى ميزانها الصحيح (كتاب الله وسنة رسوله وسيرته العملية عليه الصلاة والسلام) فإننا سنجد كل هذ الجوانب حيةً فاعلةً متكاملةً لا يمكن أن ينفصل بعضها عن بعض.

وعندما تكون هناك (روح وأخلاق) تسود كل المدارس العاملة للدعوة يسود الحب والوئام، والأخوَّة الإسلامية الجميع، ويتكاملون ولا يتصارعون، والداعية الحق من يقود الناس إلى هذا الطريق.

سادسًا: التكوين النفسي والذاتي للداعية:

في القرآن الكريم كما في السيرة والسنة الصحيحة، منهج تربوي يجمع بين المثالية والواقعية، ويحقق للإنسان القيادة في صناعة الحضارة، من خلال الإنسان الفرد، والأسرة، والمجتمع، الذين تتحقق فيهم شروط الارتقاء.

لقد قدم الرسول- عليه الصلاة والسلام- المنهج التربوي الملائم للإنسان لتحقيق عبورد من ظلمات الشرك والوثنية إلى الإسلام، وإن معالم هذا المنهج لتتجلَّى في مزج الإيمان بالأخلاق والسلوك، وتربية الضمير في النفس المؤمنة اللَّوامة، والتربية على الثبات أمام المطامع والشهوات، والربط بين الإيمان بالله والعزة بالنفس والثقة في نصر الله، والاستهانة بالحياة، والتدريب على اقتلاع جذور العصبية الجاهلية والتربية على تحمُّل المسئولية: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"، وعلى أنَّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، والتربية على الحب في الله، والأخوة في الله!!.

ويرى الداعية الكبير الشيخ "أبو الحسن الندوي"- رحمه الله- أن على الداعية أن يُحيي المعاني المهجورة في باب الدعوة، عن طريق البرامج العلمية، والوسائل التربوية، والنماذج السلوكية التي يجب أن يتصيَّدها من الماضي والحاضر، من سلوك الأفراد وسلوك الجماعات.

وهي وجهة نظر حية يذكرها داعية كبير، وتمثل عصارة تجاربه وأفكاره، وعلى الدعاة والعاملين للإسلام أن يستوعبوا هذ التجارب التي يقدمها الدعاة الكبار مثل الشيخ "محمد بن عبد الوهاب"، والشيخ "أبي الحسن الندوي"، والشيخ "محمد الغزالي" وغيرهم ممن واجهوا مشكلات معاصرة.

سابعًا: خطوات تربوية متدرجة:

إن فنون التجميع وحسن التحدث، والتحاور مع الناس من أهم عوامل نجاح الداعية، وهي فنون لا تنتهي الإضافة لها والتحوير فيها، ولكن خطوطها الأساسية وأمثلتها النموذجية تنحصر في بعض القواعد، منها:

أ- ضرورة تكميل الرصيد التربوي الواقعي الذي تركته طبائع المجتمع في الفرد.

ب- مبادرة الداعية للتكلم بما يناسب حاجة المدعو.

ج-  تكثيف المبررات الواقعية لوجوب العمل الجماعي.

د- الأخذ من كل مدعو حسب طاقته والعطاء له حسب حاجته.

ﻫ- تحبيب أجواء المسجد ومناخه للمسلمين.

و- التأني في اختيار وسائل التأثير في المدعوين واختيار الجرعة.

ز- جاهد في سبيل أن تكون أنت القدوة، وأن يرتبط عملك بقولك، فالطامة الكبرى في عصور التخلف هي الانفصال بين القول والعمل، مع أنه قد ثبت فشل هذا الأسلوب، فالدعاة المخلصون العاملون هم وحدهم المقبولون.

ح- البداية بالأقربين.

ط- التعرف على المدعوين.

ي- تقدير ذوي الشرف العالي، ومخاطبة الناس على قدر مستواهم الاجتماعي والثقافي والسياسي.

ك- مخاطبة الداعية لكل طبقات الناس.

ثامنًا: الداعية ومحاربة اليأس والعجز:

لكن لنا الأسوة دائمًا في رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقد مرَّ النبي الكريم إمام الدعوة بأزمات عصيبة زُلزل فيها المؤمنون زلزالاً شديدًا، وأظهر فيها المنافقون دخائل نفوسهم المريضة، لكن المؤمنين الصادقين الأقوياء مع إدراكهم لصعوبة الامتحان وإشفاقهم على مستقبل الإسلام لم ينحنوا ولم ييأسوا، بل قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إيمانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: 22).

وكانت النتيجة كما هي معروفة وكما ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه: ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ (الأحزاب: 25).