من المعروف أن رسالة المسيحية تقوم على الدعوة إلى المحبة والسلام، كما جاء في إنجيل متى الإصحاح 5 : 39، (سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ أَيْضًا. وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلاً وَاحِدًا فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ).

لكن للأسف الشديد، الكنيسة الأرثوذكسية منذ تولى الأنبا "تواضروس"، وهى تسير في ركاب نظام الانقلاب، الذى أقحم الكنيسة في كافة القضايا السياسية، بدءا من المطالبة برحيل الرئيس مرسى، وتجييش شباب النصارى لذلك، والبلاك بلوك، بالتعاون مع نجيب ساويرس، ومرورا بتأييد الانقلاب العسكري الدموي على الرئيس المنتخب، الرئيس محمد مرسى، حينما ظهر الأنبا "تواضروس" على يمين شيخ الأزهر، في أثناء تلاوة بيان الانقلاب العسكري، الذى انقلب على إرادة الشعب، وقوض التجربة الديمقراطية الوليدة في مصر.

وإمعانًا في ابتعاد الكنيسة عن دورها، والارتماء في أحضان الانقلاب العسكرى، أصدرت الكنيسة بيانا رسميا، مساء الجمعة، قالت فيه "بناءً على توجيهات قداسة البابا تواضروس الثاني، تستنكر الكنيسة القبطية بشدة تطاول إحدى المجلات القومية على الكنيسة الوطنية، في شخص أحد أساقفتها ووضع صورته على غلافها أسوة بصورة أحد خائني الوطن». ألا بعدًا لكم.

فالمرشد العام هو أحد رموز الوطنية، ولكنه معتقل ومغيب في غياهب السجون والمعتقلات بتهم ملفقة من عسكر الانقلاب، ومحاكمات تفتقد لأبسط قواعد العدالة، وأحكام جائرة صادرة عن قضاء مسيس، وهو- فك الله أسره- الذى وقف على منصة رابعة ليقول للعالم أجمع: "سلميتنا أقوى من الرصاص". وفضلا عن ذلك، فإنه لا يملك حق الدفاع عن نفسه لدحض هذه الفرية التى أوردها بيان الكنيسة، وهو صاحب مواقف وطنية مشرفة مع النصارى، وبخاصة إبان ثورة يناير.

إن هذا التصرف غير المسئول من رأس الكنيسة يعد سقطة كبيرة، لا تصب في صالح الوطن والحفاظ على نسيجه الاجتماعى، بل قد تؤدى إلى صب الزيت على النار، لإشعال الفتنة بين عنصري الأمة، وهذا ما يريده النظام الانقلابي الفاشل، الذى فشل على كافة الأصعدة، خاصة بعد الفشل في احتواء أزمة كورونا، وفشل مفاوضات سد النهضة، والتهديد الإثيوبي الصريح، وأخيراً فشل حليفه حفتر وهزيمته في اقتحام العاصمة طرابلس!.

وكنا ننتظر من الكنيسة المصرية أن يكون لها موقف وطني وإيجابي، تجاه انتهاك الحريات وحقوق الإنسان في مصر تأكيدا لدورها الوطنى، لكن كيف يتسنى لها ذلك، ورأسها هو من بارك الانقلاب وأيده وقدم الشكر للعسكر!.

وليعلم بابا الكنيسة أن جماعة الإخوان المسلمين- كانت ولا تزال- حريصة على وحدة النسيج الوطني المصري، كما أن بابا الكنيسة يعلم قبل غيره أن ما يثار بين الحين والآخر لإشعال الفتنة بين عنصرى الأمة، وزعزعة استقرار المجتمع، الذى غالبا ما يكون القصد من إثارته تحقيق أهداف خبيثة معروفة للجميع .

ومع الأسف الشديد، فهذه هى المرة الأولى التى يخرج فيها بيان للكنيسة المصرية يصف الإخوان بالخيانة، وأنهم أعداء الوطن، وينال من الجماعة ومرشدها، ويصفهم بأنهم أعداء الوطن، تماهيا مع ما يروجه نظام الانقلاب، وشئونه المعنوية، وإعلامه الفاجر، باتهام جماعة الإخوان، بالخيانة وعداوة الوطن، دون أن يقدم دليلا على هذا الاتهام.

ونذكر بابا الكنيسة بما قاله النائب القبطى في مجلس الشيوخ، في أربعينيات القرن الماضي "لويس فانوس"، الذى وضح حقيقة علاقة الأقباط بالإخوان، وطلب من الحكومة التعاون مع جمعية الإخوان المسلمين؛ إذ إنها الهيئة الوحيدة التي تعمل على تنوير الأذهان وإيقاظ الوعي الشعبي في النفوس ونشر المبادئ السليمة والدين الصحيح والأخلاق الفاضلة.

كما نذكره بموقف الراحل الأستاذ عمر التلمسانى، مرشد الإخوان، بوأد فتنة الزاوية الحمراء، وبموقف شباب الإخوان في قيامهم بتشكيل لجان شعبية لحماية الكنائس إبان ثورة الخامس والعشرين من يناير، وغيرها من مواقف الجماعة تجاه الأقباط.

والطريف أن بيان الكنيسة، حذر من "أن مثل هذه الأفعال غير المسئولة ستجرح السلام المجتمعي في وقت نحتاج فيه كل التعاون والتكاتف في ظل الظروف الراهنة».. لكن للأسف البيان نفسه، هو الذى يدعو إلى تقويض السلام الاجتماعى، وليس الكاتب المغمور، في صحيفة صفراء، أراد الشهرة، ولو على حساب فتنة، إذا اندلعت- لا قدر الله – قد تعصف بالبلاد، وتجرها إلى مهاوى الردى.

كما أن الكنيسة تركت في بيانها جوهر المشكلة مع المجلة الصفراء، وكاتب المقال المغمور، وانتهزت الفرصة للنيل من جماعة الإخوان المسلمين ومرشدها العام، وقامت بالزج باسم فضيلة المرشد في بيانها، دون أدنى مبرر. خاصة وأنه لم يثبت تورط جماعة الإخوان المسلمين، في أى من الفتن التى كان نظام مبارك، والنظام الانقلابى يسعيان لتأجيجها بين عنصري الأمة خلال العقود الماضية، اللهم إلا للإصلاح وإعادة اللحمة للنسيج الوطنى لعنصرى الأمة.

ولذلك نطالب الكنيسة المصرية، من منطلق مسئوليتها ودورها الوطني، بتقديم اعتذار رسمى لجماعة الإخوان المسلمين ولفضيلة المرشد العام؛ من أجل مصلحة الوطن والحفاظ على استقراره.