ناقشت الأبحاث التي تضمنها العدد الأخير من مجلة "عدكون استراتيجي"، الصادرة عن "مركز أبحاث الأمن القومي" الصهيوني، التحولات التي طرأت على علاقات الكيان الصهيوني الدولية والإقليمية.

وشمل العدد، الذي نشر اليوم الأحد، بحثاً أعدّه أستاذ الدراسات الشرقية في جامعة "تل أبيب"، رصد التحولات التي طرأت على علاقات الكيان الصهيوني بالدول العربية، وواقعها ومجالاتها ومركبات البيئة التي أفضت إلى تطورها والمعيقات التي تحول دون تحولها إلى علاقات علنية طبيعية.
وخلصت الدراسة إلى أن توجهات الرأي العام العربي تحول دون تمكن الأنظمة العربية من تطبيع علاقاتها السياسية والأمنية وإخراجها إلى العلن، على الرغم من الشوط الكبير الذي شهده التعاون الأمني والاستخباري السري بين الطرفين.

وحسب الدراسة، فإن بقاء الصراع بين الشعب الفلسطيني والكيان الصهيوني قائماً لن يسهم في إقناع الرأي العام بقبول العلاقة الصهيونية، لأنه يردع الأنظمة عن تطوير هذه العلاقة وإخراجها إلى العلن، حيث تشير إلى أن العلاقات مع نظم الحكم العربية تستند إلى "رمال متحركة"، لأنها تعبر عن مصالح أنظمة وتتركز بشكل خاص في التعاون مع الأجهزة الأمنية التابعة لنظم الحكم في ظل معارضة النخب الثقافية والرأي العام.

وعلى الرغم من أن الدراسة تشير إلى تراجع اهتمام الأنظمة العربية بالقضية الفلسطينية بشكل كبير، إلا أنها تلفت في المقابل إلى اهتمام الرأي العام المحلي بها، ما حولها إلى "سقف زجاجي" يجعل من الصعب على الأنظمة تطبيع علاقاتها السياسية والأمنية مع الكيان الصهيوني وإخراجها إلى العلن.

وتناول البحث الثاني، الذي أعده أستاذ العلوم السياسية في جامعة "بارإيلان" إيتان غلبوع، الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في تعزيز الأمن الإسرائيلي، حيث تناول واقع المساعدات العسكرية التي تقدمها للكيان الصهيوني وأنماط التعاون العسكري والاستخباري بين الطرفين، إلى جانب دور الولايات المتحدة في مواجهة التهديدات التي يمثلها البرنامج النووي الإيراني، وإسهام واشنطن في إسناد الموقف الصهيوني في المحافل الدولية، ناهيك عن احتكارها الجهود الهادفة لحل الصراع الفلسطيني الصهيوني.
لكن الباحث يحذّر من تأثير كل من التحولات الديموغرافية في الولايات المتحدة وتراجع العلاقة مع الحزب الديمقراطي والجاليات اليهودية الأميركية على مستقبل العلاقة مع واشنطن، حيث يرى أن زيادة تمثيل الأقليات، لا سيما من أصول لاتينية وأفريقية، ستقلص الدعم الجماهيري الأميركي لإسرائيل. ويرى الباحث أن تعاظم مظاهر التحول نحو اليمين في الكيان الصهيوني يقلص من قدرة تل أبيب على منع تراجع التأييد لها في الساحة الأميركية.

وتناولت الدراسة الثالثة العلاقة بين الكيان الصهيوني والأمم المتحدة، وآليات تطويرها لتقليص فرص تمرير قرارات ضد تل أبيب في المحافل الدولية. وحسب معد الدراسة، المحاضر في جامعة "بارإيلان" يرون سلمن، فإن تحولات "إيجابية" قد طرأت على أنماط التصويت على القرارات المتعلقة بالكيان الصهيوني في المحافل الدولية. ويوصي سلمن بأن تحرص إسرائيل على توظيف ثقلها في المجال التكنولوجي واقتصاديات الماء والطاقة في تحسين مكانتها داخل أروقة الأمم المتحدة المختلفة، عبر الإسهام في المشاريع التي ترعاها المحافل الدولية.

وتناولت الدراسة الرابعة واقع ومستقبل العلاقة الهندية الإسرائيلية. ويلفت معد الدراسة الباحث الهندي كومار سوماي إلى أن الصراع مع باكستان كان أحد العوامل التي أثرت على الموقف الهندي من إسرائيل حتى العام 1992، وهو العام الذي شهد تدشين العلاقات الدبلوماسية بين تل أبيب ونيودلهي. ويضيف أن رغبة نيودلهي في منع باكستان من الاستفادة من الدعم الإسلامي والعربي عبر التمسك بالقضية الفلسطينية، جعلها ترفض تدشين علاقات مع الكيان الصهيوني وتوجهت إلى دعم القضية الفلسطينية.
وأشار إلى أن نتائج حرب الخليج الأولى، وما أعقبها من تحول على الاصطفافات في الساحتين الإقليمية والدولية، لعبت دوراً في تغيير موقف الهند من إسرائيل، على اعتبار أنها تحولت بعد ذلك للتركيز على خدمة مصالحها، وهو ما قاد إلى تدشين العلاقات الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني. ولفت إلى أن الهند، بعد صعود اليمين المتطرف بقيادة ناريندرا مودي للحكم، باتت تعكف على توظيف العلاقة مع الكيان الصهيوني كمركب مهم لتحقيق مصالحها في الشرق الأوسط.

وتناولت الدراسة الخامسة علاقات الكيان الصهيوني بدول أميركا اللاتينية، حيث تشير الدراسة، التي أعدها موريسين ديمنت، إلى أن التحول الذي طرأ على سوق التقنيات المتقدمة، التي تميزت فيها تل أبيب، مكنها من تعزيز علاقاتها مع دول القارة. لكن معد الدراسة يستدرك في المقابل بأن الاعتماد على التقنيات الإسرائيلية لا يؤثر على المواقف السياسية لبعض دول القارة من الكيان الصهيوني وسياساتها، على اعتبار أن حكومات هذه الدول تتعاطى مع استيراد التقنيات من الكيان الصهيوني كجانب اقتصادي للعلاقة ليس بالضرورة أن يؤثر على التوجهات السياسية لها.

وتناولت الدراسة السادسة مثلث العلاقات الصهيونية اليونانية القبرصية، ورصد التطورات التي طرأت عليها. وأشارت الباحثة أورنا مزراحي، التي سبق أن عملت نائبة لرئيس مجلس الأمن القومي، إلى أن الطاقة الكامنة في العلاقة بين هذه الدول لم تستنفذ بعد، داعية إلى إشراك دول أوروبية أخرى في إطار التحالف بين هذه الدول، مثل إيطاليا ودول أخرى.

وتناولت الدراسة السابعة العلاقة مع روسيا وآليات العمل الواجب اتباعها لتقليص فرص تضرر مصالح الكيان الصهيوني من الوجود الروسي في المنطقة. وأوصت الدراسة بتعزيز قنوات الاتصال والتعاون مع موسكو. وتوقعت الدراسة أن تلجأ روسيا، عشية الانتخابات الرئاسية الأميركية، إلى التوصل إلى تسويات مؤقتة مع كل من الولايات المتحدة وأوروبا بهدف تقليص مستوى التوتر معهما، وهو ما يمنح إسرائيل الفرصة لتوسيع هامش المناورة في مواجهة التحديات على الجبهة الشمالية وإيران. وحسب الدراسة، فإن على إسرائيل أن تستعد لإمكانية أن يحدث تدهور في العلاقة بين موسكو وواشنطن وتبعات ذلك.

أما الدراسة الثامنة فتعرضت لآليات استفادة الدبلوماسية الصهيونية من التحولات التي رافقت انتشار كورونا، لا سيما على صعيد جلب المعلومات الاستخبارية التي تساعد تل أبيب على إدارة سياستها الخارجية. وحسب الدراسة، فإن انتشار الوباء وسع من استخدام التواصل الرقمي، لا سيما عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما يمنح سفارات الكيان الصهيوني وممثلياتها في أرجاء العالم إمكانية جمع المعلومات الاستخبارية وتقييمها.
--------
نقلاً عن "العربي الجديد"