في ضوء اعتزام الحكومة الفرنسية إعداد مشروع قانون يهدف إلى مواجهة ما يسمى بـ"الإسلام السياسي"، في إطار تدابير أعلنها الرئيس إيمانويل ماكرون، قبل أشهر، لمحاربة ما سماه آنذاك "الانفصال الإسلامي"، وذلك تحت شعار الحفاظ على العلمانية، والتي عادة ما يتذرع قادة فرنسا لتحويل ممارسات التمييز ضد المسلمين إلى سياسية ممنهجة قانونيا.

اعتبر الباحث في المعهد الكاثوليكي بباريس جميل الحمري، في تصريحات لوكالة "الأناضول" التركية، أن استبدال الحكومة الفرنسية معركة الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية بإقرار تشريعات لمواجهة المسلمين بمثابة إلهاء للشعب الفرنسي.
وأوضح أن "أصحاب السترات الصفراء نظموا احتجاجات واسعة، للمطالبة بإصلاحات اقتصادية ونظام المعاشات وإيقاف العنف الشرطي، وليس لمعادة الإسلام أو ممارسات المسلمين هذه القضايا تهم الفرنسيين أكثر من غيرها".
وأكد "الحمري" أن "مشروع القانون المزمع إقراره في سبتمبر المقبل، سيعمل على زيادة مظاهر التمييز ضد المسلمين، تحت ذريعة محاربة الأفكار الانفصالية والدفاع عن العلمانية".

وأضاف أن ماكرون يسير على درب سلفه نيكولاس ساركوزي، في معاداة الإسلام والتمييز ضد المسلمين، أملا في الحصول على شعبية بين تيارات اليمين المتطرف والفوز بأصوات الناخبين في رئاسيات 2022.
وكشف أن "حكومات اليمين واليسار على مدى عشرين أو ثلاثين عاما الماضية، استخدمت الموضوعات المتعلقة بالإسلام والمسلمين ذريعة لتخفي بها عيوبها، وعدم معالجتها للقضايا التي تهم الفرنسيين".

ويدعو الحمري إلى ضرورة إقرار تشريع جديد يظهر الاحترام للمسلمين في البلاد، لا سيما أن مناهضة الإسلام عادة ما تقف عائقا دون تعايش الأقلية المسلمة في فرنسا.

وتعليقا على تصريح رئيس الوزراء الفرنسي جان كاستيكس، في الجمعية الوطنية بالبرلمان، أن مواجهة الإسلام السياسي تعد من أولويات الحكومة الفرنسية، وأن "المضي قدما في إعداد مشروع قانون يتعلق بمواجهة "الإسلام السياسي" و"الأفكار الانفصالية"، أوضح الحمري أن الأحزاب اليمينية المتطرفة في فرنسا تسعى إلى إظهار المسلمين بأنهم يحملون مشروعا ضد الجمهورية الفرنسية، وتحويل العلمانية إلى أداة للتمييز ضد المسلمين، مبينا أن الحكومة الفرنسية عادة ما تطلق على المسلمين مصطلح "الانفصاليين"، وهذا يحمل مغالطة وتشوشا في المفاهيم التي تستخدمها السلطات حيال الأقلية المسلمة بالبلاد.
وهو ما يعيد قضية الإسلاموفوبيا إلى السطح مجددا، ويقنن معاداة المجتمع الفرنسي للمسلمين، بحسب التقرير.

استهداف المسلمين
وكشف تقرير الأناضول أن ما تغذيه الحكومة والبرلمان الفرنسيين لا يتعلق فقط بالممارسات السياسية للمسلمين في بلدانهم الأصلية أو في فرنسا؛ بل يتوسع إلى إثارة التوتر داخل المجتمع الفرنسي بشكل منتظم على قضايا ارتداء النساء للحجاب والنقاب ومساحات للنساء في المسابح أو التشكيك في بعض البرامج المدرسية التابعة للأقليات الدينية في البلاد.
ويقدر عدد المسلمين في فرنسا بأكثر من خمسة ملايين من مجموع سكان يناهز 67 مليون نسمة.

وخلال الأشهر الماضية، طالت تصريحات الرئيس الفرنسي مرارا المسلمين، لا سيما قبيل الجولة الأولى من انتخابات البلدية (المحليات) في فبراير الماضي، ما أثار ردود فعل غاضبة بين الجاليات المسلمة في البلد الأوروبي. وقال ماكرون، آنذاك، إن "هناك جزءا من المجتمع يرغب في استحداث مشروع سياسي باسم الإسلام".
كما انتقد في مناسبة انتخابية أخرى "أولياء الأمور الذين يرفضون السماح لبناتهم بالتوجه إلى المسابح"، في إشارة إلى خصوصية المعتقدات الإسلامية.

حجاب المسلمات
في أكتوبر الماضي، وافق مجلس الشيوخ على مقترح قانون يمنع الأمهات من ارتداء ملابس مميزة للأديان "الحجاب" أثناء مرافقة أبنائهن في الرحلات المدرسية.
وعلى صعيد الممارسات، طلب النائب جوليان أودول، في أحد اللقاءات، من امرأة مسلمة خلع الحجاب، كما اعتدى عليها شفهيا، ما أثار انتقادات واسعة آنذاك.

ومن المقرر أن تناقش الجمعية الوطنية بالبرلمان الفرنسي، مشروع القانون في سبتمبر المقبل، ووفق وسائل إعلام محلية في فرنسا فإنه يفرض "إجراءات تقييدية للمسلمين".
ورغم دفاع فرنسا المستميت عن سياساتها الديمقراطية التي تضمن حقوق الإنسان والتسامح غير المشروط حيال المعتقدات الدينية للأقليات، فإنها تُعرف بأنها واحدة من أكثر دول أوروبا معاداة وهجومًا على الإسلام.
 
المشهد الانتخابي
وعن التوجه غير الصحيح من قبل النظام الفرنسي، قال التقرير إنه رغم مغازلة الشعب الفرنسي بورقة معاداة المسلمين، لقي حزب ماكرون هزيمة كبيرة في الانتخابات المحلية، ما دفعه إلى المغالاة في معاداة الإسلام السياسي بحثا عن شعبية لدى تيارات اليمين المتطرف ووسط اليمين في بلاده، وفق مراقبين.
وتولى ماكرون رئاسة فرنسا قبل ثلاث سنوات، ومن ذلك الحين تصاعدت احتجاجات شعبية على وقع تنامي أزمات اقتصادية واجتماعية في بلاده.

وعزا مراقبون أسباب التصعيد ضد المسلمين في فرنسا، إلى زحف ماكرون في اتجاه تيار اليمين المتطرف، والذي عادة ما يشن هجوما على بناء المساجد وارتداء النساء للحجاب، ويخلط عمدا بين الإسلام والإرهاب.