نهنئ المنطلقين صوب البيت؛ إجابةً للدعوة الدائمة على مرِّ القرون، وكل الكائنات تشاركهم في تكبيرهم وتلبيتهم، ففي الحديث "ما من مسلم يلبي إلا لبَّى عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر؛ حتى تنقطع الأرض من ههنا وههنا".

المسلمون على موعد كريم مع ربهم، في جوار البيت الحرام، في ضيافة أكرم الأكرمين، لا يرد من قصد بابه، ووقف في رحابه، بل يعطيه ويَمنحه ويَجبره، كما أخبرنا الحبيب- صلى الله عليه وسلم- فقال "الغازي في سبيل الله والحاج والمعتمر وفد الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم" رواه ابن ماجة، وفي الحديث أيضًا "ما راح مسلم مجاهدٌ أو حاجٌّ مهلل أو ملبٍّ إلا غربت الشمس بذنوبه وخرج منها".

وفي هذه الأيام المباركة نستقبل العشر الأوائل من ذي الحجة العشر المباركة السعيدة، وحجاج بيت الله من أطراف الأرض تَهوِي أفئدتهم إلى البقعة المقدسة، يبذلون الرخيص والنفيس، وكل حاج يحدث نفسه، ويمني عينيه أن تكتحل فتفوزَ بالنظر إلى البيت العتيق.. الكعبة المعظمة.. أول بيت وضع للناس بمكة مباركًا وهدًى للعالمين.

إن كل حاج يبكي ذنوبه، ويبدي أسفه وندمه على تفريطه في جنب الله، ويسأل مولاه الرءوف الرحيم- رب البيت العظيم- من فضله؛ عساه أن يخرج من ذنبه وأدران الدنيا متطهرًا، فيعود كيوم ولدته أمه.

والواجب على جميع المسلمين الحرص على طاعة الله في هذه الأيام المباركة، فقد ورد في الحديث "ما من أيام أعظم عند الله، ولا أحب العمل فيهن من أيام العشر، فأكثِروا فيهن من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير"، كما ورد أيضًا في الأثر: "وإن صيام يوم منها يعدل صيام سنة، والعمل فيهن يضاعف بسبعمائة ضعف".

وقد ذكر العلماء واجبات وتوجيهات لمن قصدوا الحج أو العمرة يجب أن يحرصوا على القيام بها، منها:

1- بدء هذه الرحلة بالتوبة الخالصة، وقضاء الديون، ورد المظالم لأهلها، أو طلب السماح من أصحاب الحقوق إن عجز عن ردها، كما يجب عليه أن يقوم برد الودائع والأمانات إلى أهلها.

2- التأكد من أن النفقة التي تكون معه من الحلال الطيب الخالص، ويبحث عن رفقاء صالحين يعينونه على طاعة الله، ويذكِّرونه عند النسيان.

3- الإكثار من الذكر والتكبير في هذه الأيام، وقد حث النبي- صلى الله عليه وسلم- الصحابة على ذلك.

4- كلما علا مرتفعًا من الأرض يستحب أن يكبر ثلاثًا ثم يقول: اللهم لك الشرف على كل شرف، ولله الحمد على كل حال، وكلما هبط سبَّح "سبحان الله الملك القدوس رب الملائكة والروح".

5- يلتزم التواضع والخشوع لله عز وجل، ويجتهد في طلب كل شيء يجعل الحج مبرورًا، مثل الكلام الطيب وكظم الغيظ، والعفو والتسامح.

6- يدعو إخوانه إلى الحب والأخوَّة، والأُلفة والتعاون، فالمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه.

7- أن يعرض تمامًا ويعزم على اجتناب كل خلق ذميم، ويهجر التهاون والتقصير في حق ربه وفي أمر دينه، وأن يبدأ عهدًا جديدًا مع ربه، وأن يغيِّر من سلوكه وأخلاقه، فهذه علامة الحج المبرور، وأن يستحضر الخوف من الله؛ خشية أن يرد حجه عليه.

8- أن يستحضر دائمًا عظمة الله، وعظمة بيته، ولا يتهاون بحرمة البيت الحرام، وأن يعود وقد اعتقد اعتقادًا جازمًا بوجود الله سبحانه وعظمة هذا الدين، وأن الأمر بيد الله وحده، وأن يصدق تصديقًا جازمًا بسيد الخلق- صلى الله عليه وسلم- وأن يعزم على العمل بكتاب الله وسنة رسوله، وأن ينصر الإسلام ويرفع رايته، وأن يهتم بالعبادات.. فذلك دليل الحج المبرور.
---
من تراث فضيلة الشيخ محمد عبد الله الخطيب .. عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين، ومن علماء الأزهر الشريف