أكدت الانفجارات التى وقعت مؤخرًا فى العاصمة اللبنانية "بيروت" أن حواضرنا مستباحة، وأن جيوش وأنظمة العرب جميعًا وكلاء لجهات ودول أخرى، فضلًا عن أنها ممتلكات خاصة لمن يرأسونها تعمل لمصالحهم الشخصية على حساب شعوبنا المقهورة.

فإلى الآن يسود الغموض الحادث، وإن كان هناك إصرار رسمى على أن الانفجارات وقعت جراء إهمال، ولو جاز أن نصدق هذه الرواية فى غير لبنان فلا يمكننا تصديقها فى حالة هذا البلد المُبتَلَى بحكامه وطائفيته، خصوصًا مع عدم ظهورأدلة تؤكد ذلك الإهمال ولكثرة الأطراف التى وُجهت إليها تهمة التفجير، ومعلوم أنه كلما كثرت أصابع الاتهام ضاعت الحقيقة وانفلت الفاعل الأصلى، وما مؤامرة قتل "الحريرى" وتمييع القضية على مدى سنوات عنا ببعيد.

وأكاد أجزم بجنائية الحادث، الذى جاء على خلفية انتفاضة شعبية بدأت منذ فترة ثم هدأت لتعاود الاشتعال مرة أخرى فى الأيام التى سبقت التفجير، وكان حديث الثوار حول فساد حكومى زاد على الحد وفشلٍ على المستويات كافة بات يهدد استقرار المجتمع وقد دفع بالعملة الوطنية إلى القاع، وعن خلل فى بنية الدولة تبعًا لطائفية عنيفة جزأت البلد فعليًّا؛ فلبنان وإن بدا بعلم واحد فإن هناك عدة أعلام وشارات إثنية هى التى توجه جيشه ونظامه وحكومته.

ما الذى يدفع الرئيس الفرنسى إلى زيارة "بيروت" فى هذا التوقيت الحرج، تلك الزيارة العجيبة التى لم تُسَمَّ، ولم يُعلن عنها، وقد خلت من مراسم الاستقبال وإجراءات البروتوكول، وكان "ماكرون" يتعامل خلالها مع الجماهير التى استقبلته، وهم غالبًا من أبناء ملته، كأنه المخلِّص أو الزعيم المنتظر الذى هرع لإنقاذ البلاد والعباد. وقد سخر بعض اللبنانيين من المشهد فعلق بقوله إن رئيس لبنان يحمل الجنسية الفرنسية فمن ثمَّ يستقبل اللبنانيون "رئيس الرئيس" هذا الاستقبال الحافل، وليس غريبًا إذًا أن وقَّع خلاله عشرات الآلاف على طلب استدعاء فرنسا لاحتلال لبنان.

الحادث اللبنانى فى الحقيقة قطعٌ للطريق على ثورة الشعب، وإخمادها قبل تطورها، وإدخال البلاد فى حالة من التوتر الذى لا ينفع معه تغيير، كما هو فرصة لإضعاف "حزب الله" الذى صار دولة داخل الدولة؛ ولذلك تعالت هتافات من تظاهروا بعد الحادث ضد الحزب، رغم إقرار الحكومة بأن الحادث سببه الإهمال، ورغم أن أطرافًا أخرى وُجهت إليها الاتهامات على رأسها "إسرائيل". والحادث كذلك نقلة لتغيير الداخل اللبنانى بصفة عامة، وقصر "الشركاء" الخارجيين على دول وأجهزة بعينها.

انتهاك السيادة العربية هو شعار المرحلة، ولبنان ليس بدعًا فى هذا الأمر، وإن كانت أعراض هذا الانتهاك بادية فيها أكثر من عواصم العرب الأخرى بعدما كثر الشركاء وتنازعتها الأطراف الدولية والإقليمية والمحلية، وكلٌّ يعمل على شاكلته. لبنان الآن قراراتها خاضعة للغرب وللشرق، ويلعب على أرضها الفرقاء فى آن واحد، غير مشكلات التنازع الداخلى الذى لم يُحسم يومًا رغم التظاهر بحسمه.

وهناك سبب وحيد لما وقع فى بيروت، وفى صنعاء، وفى بغداد، وغيرها، وما يجرى بشكل ناعم فى باقى عواصم العرب –هو تبعية الحكام وتبنيهم "أجندات" خارجية جرَّت الخراب على بلدانهم، هذه الأجندات هدفها تكريس الفساد، وإبقاء بلادنا فى حالة من الفوضى المستمرة دون الانهيار، واستنزاف قواها على المدى البعيد، بمنع مبادرات الإصلاح، وقمع الثورات الشعبية، وإجهاض أى بادرة تسمح بتواجد التيار الإسلامى الرشيد.. وكل ذلك يمهد لتغيرات إقليمية كبرى تجعل زعامة المنطقة من نصيب الصهاينة.

وقد صارت السمة الغالبة لحكام العرب أن يعقدوا الاتفاقات من خلف ظهر الشعوب، حتى لم تعد الأرض أرضنا ولا الديار ديارنا، وحتى ملأت القواعد العسكرية الأجنبية بلادنا، وما خفى كان أعظم، فى ظل غياب المحاسبة والتعتيم الذى فرضوه على جماهيرنا، وفى ظل ما يقوم به "الأشاوس" من تسخير كل ما يملكون لتحسين صورتهم، بل إظهارهم بمظهر الوطنية.

كان فى الماضى يتم اختراق قصور حكام العرب على استحياء وبعد محاولات عديدة، ثم تطور الأمر ليصير تنسيقًا، ثم وُجد مندوبون داخل هذه القصور يتشاورون مع هؤلاء الحكام فى عظائم الأمور وصغائرها، ما يخص البلد وما لا يخصه، ثم كان التدخل المكشوف حيث لا يقضى الملك أو الرئيس أو الأمير أمرًا ولا ينفذ قرارًا إلا بموافقة الكبار عليه، وأخيرًا يتم استخدامهم للتدخل فى شئون أشقائهم وتعطيل مسارات الإصلاح الناشئة فى بلادهم.
وما جرى فى "بيروت" ليس بعيدًا أن يقع فى عواصم عربية أخرى، ما بقيت هذه الأنظمة جاثمة على صدورنا تعمل وكيلة للشرق والغرب فى أرضنا. مطلوب فض هذه الشراكة الحرام، والدفاع عن حقوق الشعوب العربية فى أن يحكمها أبناؤها الوطنيون المخلصون.