- إن لم تستطع تقديم شيء للإسلام فخذل عنه
- سلبية العاجز.. وتصور الأفكار الخلّاقة

العنصر البشري هو الأساس لكل نهضة، وهو العماد لكل حركة، وبدونه تموت في مهدها أي فكرة. وعندما يشعر الأفراد في أي أمة أنهم غير قادرين على العطاء، فإنما هم بذلك يصدرون حكمًا بالإعدام على أنفسهم ومجتمعهم، شاءوا أم أبوا. وذلك أنهم بتقريرهم هذا الشعور، يعلنون العزم المُبَيّت على تجميد الحركة والعمل ليصبح ذلك المجتمع بعد ذلك كالجثة الهامدة. إن هذه الظواهر الاجتماعية التي يعرفها الخاص والعام، وجاءت نصوص الشريعة بتقرير الحقائق عنها، فهي ثابتة لا تتغير، وكونية لا تتبدل، قال عليه الصلاة والسلام (إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم) لقد كان يقين السلف بقدرتهم على البذل والعطاء نابعًا من استشعارهم المسؤولية الفردية القائمة على الإحساس بالعزة الإيمانية؛ فجعلتهم مشاعل هداية، ونماذج فريدة في البذل والعطاء والتضحية.

فهذا نعيم بن مسعود الغطفاني لا يكاد يُسلم حتى يؤدي دوره فيُخذّل جيوش الأحزاب. ومما يجدر بنا أن نستحضره في كل حين؛ أنه لا أحد في المجتمع المسلم يمكن أن يوضع في خانة: (غير قادر على العطاء)، بل الجميع يملكون شيئًا ما إن لم يكن أشياء تطيعون من خلاله خدمة أمتهم.

إن خطر وأد الذوات وتحييدها عن العطاء، يأتي من إحجام الفرد عن البذل، أو ممارسة عمل ما بحجة أنه ليس أهـلًا لذلك، أو إيهام النفس بأنه لا يُحتاج إليه في هذا المضمار؛ أو التحايل على النفس بأن الإنسان إنما هو فرد لا يملك التغيير أو البذل أو العطاء؛ لأن (التيار جارف) أو عدم القدرة على استغلال المواهب الخاصة أو القدرات الفردية.

أما نعيم بن مسعود رضي الله عنه فيقول لنا لا بد من خدمة دين الله والمسلمين في كل وقت وحين وبصور مختلفة صغيرة أو كبيرة ونجدد ونبتكر لنصرة ديننا ويمثل التجديد دائما سببا رئيسا من أسباب النجاح ومجال الدعوة إلى الله واحد من هذه المجالات التي تتطلب تنوعا في الوسائل وتجديدًا في أساليب الطرح وابتكارا في كيفية العرض للوصول إلى المدعو وإيصال الدعوة إليه أو جذبه هو إليها.

ولا بد أن يلتفت الداعية صاحب هم الدعوة الذي يريد إنجاحها عند الابتكارلها إلى أمرين مهمين:

الأول: زيادة القدرة على توليد الأفكار وتنويعها.
الثاني: تطوير المهارات لتطبيق تلك الأفكار وتنزيلها على أرض الواقع.

ومن الممكن أن يُعمل الإنسان عقله وفكره ليستحدث وسيلة يجمع بها قلوب الناس على دين الله أو يحبب الناس في ربهم ورسولهم أو حتى يعلمهم بها دينهم وهذا باب يعتمد على سعة الأفق والقدرة على الابتكار والتصور والتطور. فالابتكار هو عملية إبداع أشياء جديدة لا يوجد لها مثيل، ولا تظهر قيمة هذا الإبداع وذاك الابتكار حتى يتم تطبيقها على أرض الواقع، ولابد لوجود الابتكار من وجود الرغبة في الإجادة والحافز على التفكير والقدرة الإبداعية لإيجاد وتصور الأفكار الخلاقة.

نعيم بن مسعود
لم يكن رأي سلمان هو الابتكار الأوحد في معركة وغزوة الأحزاب وإنما كان هناك إضافة ربما لا تقل عن الأولى أتت هذه المرة على يد مسلم لم يمض على إسلامه ساعات، وهو نعيم بن مسعود الذي جاء إلى رسول الله وقال له: "يا رسول الله إني أسملت ولم يعلم قومي بإسلامي فمرني بما شئت"، فكانت العبقرية في القيادة والتصرف الفذ من نعيم.. فوجهه الرسول صلى الله عليه وسلم ألا يعلن إسلامه؛ فهو في المسلمين فرد لن يضيف شيئًا إذا انضم إلى صفوفهم المعلنة، وإنما عليه أن يخذل عنهم، فإنما الحرب خدعة أو كما قال له صلى الله عليه وسلم.. فانطلق نعيم بن مسعود كما هو معروف في السيرة، ووضع خطة متقنة لإفساد العلاقة التحالفية بين اليهود والمشركين وزرع بذور الشك والفرقة بينهم بحيث ينفض عقدهم وحلفهم ويفشل كيدهم وتدبيرهم ويرجع جمعهم دون إلحاق أي أذى بالمسلمين، وكل ذلك بدون استخدام سهم واحد، وإنما من خلال إعمال الفكر واستخدام العقل بأعلى درجات الفعالية والإبداع.

زماننا أولى بالابتكار
وفي زماننا لا تقل الحاجة إلى تحديث الأداء وابتكار الطرق واستخدام الوسائل المستجدة في العلم والتكنولوجيا في إيصال الدين للخلق وإقامة الحجة عليهم بما يصح إطلاق إقامة الحجة به، وإيصال علوم الدين إلى كل الآفاق. فقد شغل سيدنا نعيم كيف يخدم دينه فألهم الله هذا الصحابي أن يفعل فعلة يسطرها له التأريخ في أنصع أوراقه، وأجمل افتخاراته، وخلاصتها: أنه ذهب إلى اليهود وإلى قريش والقبائل التي تمالأت على حرب الرسول – صلى الله عليه وسلم -، فأفسد كل طائفة على صاحبتها، حتى جعلهم أعداءً، وفرق كلمتهم، وأضعف ثقة كل فئة بالأخرى، فتخاذلوا جميعًا عن الحرب، ثم أرسل الله عليهم جندًا من جنده من الريح العاصفة، والملائكة المرسلين فقوضت خيامهم، ولم تدع الريح قدرًا إلا كفأتها، ولا طنبًا إلا قلعته، وكفى الله المؤمنين القتال. فله الحمد والشكر

وكان بداية غيث المسلمين بالنصر هي همة نعيم بن مسعود، رضي الله عنه؛ فقد أسلم، ثم فكر وقدر، فنِعْمَ ما قدر؛ فسلام الله عليه؛ فلم يكثر الكلام، بل جعل الجوارح تتكلم وتعمل.

وهناك ثمة تساؤلات يسألها المرء نفسه: (كيف العمل؟، وبماذا أبدأ؟، وكيف أخطط؟) فأقول: انظر إلى هديه -عليه الصلاة والسلامـ وسيرته في كيفية العمل لهذا الدين، وتجميع الناس تحت راية الإسلام، ومحاربة المناوئين للدين ولذا دخل الناس في هذا الدين راضين مقتنعين، واجتمع معه في حجة الوداع أكثر من مائة وعشرين ألف صحابي -رضي الله عنهم أجمعين- وكل ذلك بعد توفيق الله من إرادة جبارة، وهمة وثابة… ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (الأنعام: 90).

واقرأ سير المصلحين والقادة، واستفد من تجارب الآخرين، واسأل الله أن ينفع بك الإسلام، وتعلق بالله ولا تتعلق بأحد سواه.و ادعوه أن تكون نافعا للمسلمين فإن لم تكن نافعا فخذل عنهم فابدأ بنفسك وأصلح غيرك وانشر الخير وما تأخر من بدأ فاستسهل الصعب وقوي ارادتك وزد في همتك

وبقدر ما تعاني تنال الأماني، ومن يعرف المقصود يحقر ما بذل، ومن المقت إضاعة الوقت، ولكل جيل قيادته؛ فلنكن خير قادة لجيل الحاضر والمستقبل؛ وذلك كله بالتعاون والتكامل لا بالمطاحنة والتآكل، فالجاهلية المنظمة لا يقلبها إلا إسلام منظم، ولتكن وحدتنا واجتماعنا على كتاب الله وسنة رسوله، وتحت لواء أهل السنة والجماعة، فوحدة صفنا تكون معهم لا مع غيرهم من أهل البدع المنحرفين، أو الفرق الضالة.

تفضح العاجز
بهذه الكلمات وهذا الهدي النبوي الجليل، علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم الدروس، كيف يكون الإنسان إيجابيًا، يدافع وينافح عن أمته ما استطاع إلى ذلك سبيلًا حين قال له (إنما أنت رجلٌ واحدٌ، فخذّل عنا ما استطعت)، لم يقل له "أنت رجل واحد، ولا تستطيع فعل أيّ شيء"! (عدم الإيمان بالقدرات)، ولم يطلب منه القيام بعمل ضخم لا يستطيعه (رفع سقف التوقعات)، وإنما طلب منه أن يبذل ما يستطيع فعله الرجل الواحد، فكان أن جعله الله سببًا من أسباب اندحار العدو المحاصر للمدينة المنورة.

يعلمنا سيدنا نعيم بن مسعود، معنى أنّ يكون المرء إيجابيًا منذ اللحظات الأولى لإسلامه، ماذا عنا، منذ متى ونحن ننتمي لمجتمعاتنا المسلمة، دون أن نتحرّك، ونحرك رياح الخير! يقول جلال الدين الرومي "وضعَ الله أمامَنا سلّمًا، علينا أن نتسلقه، درجة إثر درجة، لديك قدمان، فلمَ التظاهر بالعرج!"

كثيرون هم أولئك الذين قابلتهم في رحلة الحياة، والذين يعجزون عن التحرّك لنصرة قضايا مجتمعهم، متعذّرين بعدم الاستطاعة، أو بحجة أن ما قد يقدموه لن يكون له أي أثر إيجابي في إصلاح المجتمع وردّ الظلم أو الجوع أو! إن سلبية الكثيرين ورضاهم بمقاعدهم وسط المتفرّجين، مرجعه إلى أمرين: عدم إيمانهم بقدرتهم على التغيير، أو رفع سقف توقعاتهم عاليًا جدًا، ما يؤدي إلى العجز في كلتا الحالتين.و علينا ألا نغفل أن هذه السلبية هي جزء من شخصية مجتمعاتنا وتكوينها النفسي، ولكن أيًا كانت الأعذار التي يسوقها العاجزون، فإنّها مرفوضة، ﴿وكل نفسٍ بما كسبت رهينة﴾، ﴿وكلهم آتيه يوم القيامة فردًا﴾، و"الحاضر والماضي" فيهما الكثير من العبر والقصص عن الإيجابيين الذين ملأوا الدنيا خيرًا. وستكون تجارب الإيجابيين في التغيير ومحاولاتهم الناجحة، أو حتى الفاشلة، حجّة على العاجزين.

 صديقي العاجز! محاولةً مني لإيقاظك، ولعلّي أحرك دماء الغيرة فيك، بحثت كثيرا عن تجارب الإيجابيين في هذه الدنيا، فإذا بها منذ خلق الله الخلقَ تنبض بالمصلحين ذوي الأيدي في الكثير من مجالات الإصلاح، فإن تكاسلت عن قراءة التاريخ، وما فيه من العبر فانظر حولك، إلى صديقك أو أخيك أو جارك، سترى وجوها تضيء في عتمة هذه الدنيا كالنجوم في صفحة السماء، انظر إليهم! ولا تظن أن حياتهم من غير هموم ومشاكل ومشاغل، ولكنّ الله يبارك في أعمارهم، (من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته). رواه البخاري.

أنت تملك الكثير؛ لكي تقدّمه لأمتك، كل ما عليك هو أن تتحرك في المجالات التي تجيدها التعليم، الصحة، الدعوة، الإعلام، الفن …إلخ، الثغور كثيرة والمرابطون قلة، فكن من المرابطين ولا تكن من العاجزين.

فهل أنت مستعد للقيام بمهمتك؟ أمّ أنّك ما زلت تتظاهر بالعرج!