تجددت، اليوم، للجمعة الثالثة على التوالي، مسيرات الحراك الشعبي في عدة مدن وبلدات في غرب ووسط وشرقي الجزائر، للمطالبة بالديمقراطية والحريات والدولة المدنية وإبعاد المؤسسة العسكرية عن فرض الخيارات السياسية، وإطلاق سراح الناشطين الموقوفين في السجون.

وخرج متظاهرون في مدينة القصر بولاية بجاية شرقي البلاد، في مسيرة رُفعت فيها شعارات مناوئة للسلطة، وهتف المتظاهرون بشعارات تؤكد التمسك بالمطالب الديمقراطية واستمرار النضال السلمي حتى رحيل ما يصفونه "بعصابة الحكم".

وهتفوا "قلنا العصابة تروح، إما نحن وإما أنتم"، كما شهدت مدينة تيشي بنفس الولاية مظاهرة حاشدة شارك فيها مئات الناشطين الذين رفعوا صور معتقلي الرأي، وخاصة الناشط رشيد نكاز، الذي نقلته السلطات من سجن القليعة قرب العاصمة الجزائرية إلى سجن في جنوبي البلاد. 

 وخرجت مسيرة مماثلة في مدينة أقبو بولاية بجاية، طالب فيها المتظاهرون بضرورة توحد الشعب الجزائري والتمسك بمطالبة السياسية والعودة إلى الشارع، وعدم تضييع فرصة الحراك الشعبي لتحقيق هذه المطالب.

 وشارك رئيس الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان سعيد صالحي في هذه المسيرة، وقال إن "هذه المظاهرات تؤكد أن الحراك ما زال قائماً ولن يتوقف حتى تحقيق المطالب".

كذلك خرجت مظاهرة شعبية في مدينة آث القصر بولاية البويرة قرب العاصمة الجزائرية، رُفع فيها العلم الوطني ولافتات تطالب بالإفراج عن المعتقلين وتكريس الديمقراطية والحريات ورفض خيارات السلطة المطروحة، وهتف المتظاهرون "خارجين ومش خايفين"، في إشارة إلى استعدادات شعبية لمظاهرات الجمعة المقبلة عشية الذكرى الثانية لاندلاع الحراك الشعبي.

واللافت، خلال هذه المظاهرات المنتظمة في عدة مدن، أن أجهزة الأمن وقوات الشرطة تلافت أي صدام مع المتظاهرين أو تنظيم اعتقالات في صفوفهم، بخلاف حملات الاعتقالات التي كانت تقوم بها قوات الأمن ضد أي تحرك أو تجمع للناشطين خلال الأشهر الماضية.

ولم تسجل خلال مظاهرات الجمعات الثلاث، التي عادت فيها مظاهرات الحراك الشعبي، أي مواجهات، وهو مؤشر يفسره بعض المراقبين بسعي السلطة لتجنب المواجهة مع الشارع، خاصة بعد ترسيم الحراك الشعبي في الدستور الجديد من جهة، وتوجه السلطات في المقابل إلى إطلاق فعاليات موازية ذات طابع احتفالي بالحراك الشعبي في الشارع.  

ووُضعت قوات الشرطة منذ الأسبوع الماضي في حالة استنفار، إذ لا ترغب السلطات في الوقوع في فخ المظاهرات المفاجئة وسوء التقدير الذي حصل من جانب الأجهزة الأمنية في 22 فبراير2019. وفي السياق، يُتوقع أن تشدد السلطات مراقبة مداخل العاصمة بدء من الخميس المقبل تحسباً لمظاهرات الجمعة، عشية الذكرى الثانية لاندلاع الحراك.   

وتحشد مكونات الحراك الشعبي منذ أيام لإعادة إطلاق مظاهرات الحراك الشعبي، التي تم تعليقها منذ مارس 2020، بسبب وباء كورونا، ودعا عدد من الائتلافات المدنية، خلال هذا الأسبوع، كائتلاف "22 فبراير"، وتجمع "شباب الجزائر"، وكذلك عدد كبير من الناشطين الجزائريين إلى النزول بقوة إلى الشارع، لاستئناف الثورة السلمية والتمسك بتحقيق المطالب الديمقراطية والحريات.

وقال الناشط البارز في الحراك الشعبي عبد الوكيل بلام لـ "العربي الجديد" إن "الخروج إلى الشارع والاستمرار في الثورة الشعبية هو الحل الوحيد لاستعادة الحقوق الديمقراطية، بعد فشل السلطة في الالتفاف على مطالب الشعب".

 وأضاف عبد الوكيل أن" الجزائريين ليسوا خائفين، الخوف انكسر منذ مدة، وحملات الاعتقالات والملاحقات التي طاولت الناشطين لم تنفع السلطة في شيء، ولا مناص لنا من العودة إلى الشارع، لأن السلطة أثبتت أنها مناورة ومخادعة".

من جانبه دعا حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية إلى الاحتجاج السلمي عشية الذكرى الثانية للحراك الشعبي، ضد ما وصفه بالأوضاع "المتردية" اجتماعياً وتعقد الوضع الاقتصادي في البلاد، وضد سياسات السلطة والملاحقات القضائية للناشطين.  

وذكر بيان للحزب عقب اجتماع قيادته السياسية "على بعد أيام من إحياء الذكرى الثانية لثورة فبراير، تبقى المسائل التي طرحها هذا الحراك المتميّز، قائمة. بل أكثر من ذلك، تدهور الوضعية الاجتماعية وحالة الحريات أصبح أمراً مريباً"، مشيرا إلى أن "للجزائريين والجزائريات الحق في الاحتجاج والتنديد بهذه الوضعية بكل الوسائل السلمية"، وحذر الحزب ما يصفها "بسلطة الأمر الواقع" من مغبة صد الاحتجاجات السلمية "وإغراء نفسها بالقيام بأمر بشع ومضاعفة القمع".

وأدان الحزب استمرار اعتقال عشرات الناشطين الموقوفين في السجون "ما يقرب المائة مواطن ما زالوا معتقلين في سجون النظام لكونهم عناصر فاعلة في الحراك، ومناضلون آخرون، بسبب آرائهم، في حالة حرية مؤقتة وينتظرون محاكماتهم التي تؤجل بصورة مستدامة".

وشكك الحزب في مصدر سلسلة قرارات اتخذت في غياب الرئيس عبد المجيد تبون الذي قضى ثلاثة اشهر في رحلة علاجية بين 27 أكتوبر حتى تاريخ عودته اليوم، واعتبر ان "الغياب الطويل لتبون، والذي يكلف بالمناسبة كثيرا للخزينة العمومية، يؤكد أن جوهر القرارات التي تلزم مستقبل الوطن يتمّ اتّخاذها بعيدا عن الواجهة المدنية للنظام".

واعتبر التجمع أن السلطة السياسية في موقف حرج إزاء الأوضاع السياسية والاقتصادية، "المسئولون الحقيقيون في مأزق، ولا يملكون سوى اقتراح شبه انتخابات كخريطة طريق، رفضتها الأغلبية الساحقة من الشعب الجزائري خلال الاستفتاء الدستوري".