قبل أن تهدأ أزمة "قانون البناء" في مصر، الذي أثار احتجاجات شعبية واسعة قبل شهور، بدأت أخرى تطفو على السطح خلال الأيام الماضية، عقب إلغاء الاعتراف الحكومي بـ "صحة التوقيع" الصادر من المحاكم القضائية على الوحدات السكنية وغيرها، وإلزام المواطن بضرورة توثيق ملايين الوحدات في الشهر العقاري (جهة حكومية منوط بها توثيق العقارات)، وهو ما يكلف المواطنين أعباء مالية كبيرة لارتفاع أسعار التوثيق.

ووفق مصادر رسمية فإنه من المقرر أن يطبق القرار الجديد بدءاً من 6 مارس المقبل، وفقاً لتعديلات قانون الشهر العقاري الجديد، على أن يكون تطبيق الإلغاء ليس على السنوات القادمة فقط، بل وصل إلى عدم الاعتراف بما تم به خلال السنوات الماضية من صحة توقيع وغيرها.

أحدثت تلك الأزمة حالة من البلبلة وسط الشارع المصري، خاصة من قام بعمل "صحة توقيع" من المواطنين بالمحاكم خلال السنوات الماضية، كنوع من توثيق الوحدة السكنية الخاصة بهم من المشتري، إذ إن ملايين الوحدات وخاصة بالمناطق العشوائية لن يستطيع ملاكها دفع مبالغ التوثيق في الشهر العقاري، ويأتي ذلك في الوقت الذي يؤيد فيه آخرون توثيق وحداتهم السكنية.

ومن الجدير بالذكر أن عملية صحة التوقيع بالمحاكم تتميز بتكلفتها القليلة ما بين ألف جنية و1500 جنيه بأتعاب المحامي ، فضلاً عن إجراءاتها البسيطة، أما التوثيق في الشهر العقاري فتصل تكلفته إلى ما بين 15 إلى 20 ألف جنيه حسب مساحة الوحدة السكنية، وتزيد عن 100 ألف جنيه في حالة توثيق مبنى به العديد من الوحدات السكنية.

التطبيق بعد أسبوعين

وفي خطوة استفزت رجل الشارع قال رئيس قطاع مصلحة الشهر العقاري والتوثيق، جمال ياقوت، إنه لن يتم الاعتراف بأي عقد غير مسجل بالشهر العقاري نهائيا، وإن الحكم القضائي بهذا الشأن يصبح واجب القيد إذا لم يتم الطعن عليه في المدة المحددة، مشيرا إلى أن دور الشهر العقاري يقتصر على بحث الملكية فقط وتنفيذ تعديلات القانون الجديد سيبدأ 6 مارس المقبل.

وتابع ياقوت خلال مداخلة على إحدى الفضائيات، أول من أمس: وزارة العدل وجهت بإزالة أي معوقات تواجه القانون الجديد، وتعديلاته ستساهم في زيادة الإيرادات للشهر العقاري وسنسمح للمواطنين بتقنين أوضاعهم وفقا للقانون الجديد، مشيرا إلى أنه سيتم إعطاء فرصة للمواطنين لتسجيل عقاراتهم في الشهر العقاري. وأضاف: لن يتم الاعتراف بالعقود التي حصلت على صحة توقيع، ولكن الاعتراف بالعقود المسجلة في الشهر العقاري وكل من لديه صحة توقيع علية التوجه للشهر العقاري للتسجيل، مشيرا إلى أنه إذا انتهت مدة الشهر المحدد ولم يتم أي اعتراض على الطلب يتحول الرقم الوقتي المعطى له إلى رقم نهائي.

إجراءات غير قانونية

لم يقف الأمر عند إلزام الحكومة صاحب العقار بتوثيق عقاره، لكن من الأمور التي ستهدد ملايين المصريين، عدم توصيل الخدمات مثل الكهرباء والغاز والمياه والهواتف إليهم في حالة عدم التوثيق في الشهر العقاري، وهو ما أصاب المواطنين بحالة من الإرباك، خاصة ملاك الوحدات السكنية الجديدة.

إنعاش خزينة الحكومة

وعلى مستوى تطبيق القرار الحكومي الجديد، قال مسئول بالشهر العقاري التابع لوزارة العدل، فضل عدم ذكر اسمه، إن الإجراءات الجديدة بتسجيل الوحدات السكنية لم تصل بعد إلى مصلحة الشهر العقاري، وأنها ستنعش إيرادات التسجيل.

ولفت المسئول، الذي رفض ذكر اسمه، إلى أن المصلحة حدثت بها فجوة مالية كبيرة خلال السنوات الماضية، لعدم قيام المواطنين بتسجيل الوحدات السكنية الموجودة بحوزتهم لديها، بسبب الارتفاع الكبير بأسعار التسجيل، وهو ما أدى إلى استحداث تعديل في نص المادة 35 مكرر، والتي بموجبها لا يستطيع أي مواطن توصيل خدمات لوحدة عقارية قبل تسجيلها بالشهر العقاري، وهي المادة التي أثير بشأنها جدل كبير، لوجود عيوب بها أثناء مناقشتها بمجلس النواب السابق 2020، رغم ذلك أقرها المجلس في أغسطس الماضي، على أن يبدأ سريانها بعد ستة أشهر.

مطالب معقدة

وقال المسؤول إن عملية تسجيل الوحدات السكنية بالشهر العقاري تمر بمراحل متعددة، ومصروفات كبيرة يتكبدها المواطنون، بداية من رسوم التسجيل التي تصل إلى 2000 جنيه، بخلاف ضريبة دمغة تقدر بـ 2.5% من قيمة العقد، ورسم هندسي في حدود ألف جنيه، ورسم دعوى في حدود من 500 إلى 1000 جنيه حسب قيمة العقد، ورسوم تحت الحساب تدفع 75% منها والباقي عند تسجيل الحكم. كما يحتاج المواطن شهادة من الجهة المحلية "حي المنطقة" تفيد بأن العقار خالٍ من المخالفات، وبالتالي فإن الإجراءات مرهقة ماليًا وقانونيا لصاحبها، وإجراءاتها تستغرق وقتًا أطول بكثير من دعوى صحة التوقيع، ربما تستغرق عامًا كاملاً، حسب المسئول.

وأضاف أن التسجيل بالشهر العقاري جعل حكم صحة التوقيع غير معترف به، خاصة وأن التعليمات الجديدة لرئيس مجلس الوزراء خصصت بأن تكون لكل شقة "شهادة ورقم قومي" ولا يتم شراء أي شقة دون الاطلاع على الشهادة والرقم القومي، وإذا تم بيعها تكون بنفس الإجراءات، وبالتالي الشقة مسجلة بالشهر العقاري بثمن وغير المسجلة ثمنها أقل.

جبايات إضافية

وبالنسبة لموقف أصحاب العقارات، فقد اعترض مواطنون على تلك الإجراءات الجديدة، مؤكدين أن الحكومة تريد أن تجمع جبايات من المواطنين الذين أنهكتهم البطالة والغلاء والفقر. وبلغت نسبة الفقر في مصر 29.7% في العام المالي الماضي 2020/ 2019، وفق بيان لوزارة التخطيط، حول نتائج بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك خلال العام المالي الماضي.

وأكد التاجر محمود إبراهيم، لـ"العربي الجديد" رفضه التام للقانون الجديد، موضحاً أنه بعد الانتهاء من أزمة تصالح البناء بدأت في العام التالي مباشرة أزمة تسجيل الوحدات بالشهر العقاري.

وقال إبراهيم: "معي شقتا تمليك لأولادي، قمت بعمل صحة توقيع لهما منذ عامين، ومعنى التسجيل في الشهر العقاري أنني مطالب بدفع 20 ألف لكل وحدة سكنية". وتابع: "ماذا تريد الحكومة من المواطن؟ قائلا : "مش كفاية ضرائب ندفعها سنوياً".

ولفت مواطن آخر يدعى محمد مختار إلى أن الحكومة، من وراء تلك الإجراءات، تريد فرض ضرائب سنوية على الوحدات العقارية، معبراً عن غضبه الشديد من الضغوط التي تجريها الحكومة على الفقراء ومحدودي الدخل، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، وتوقف الإشغال بسبب ظروف جائحة كورونا. وأضاف أنه ترك عمله بسبب الوباء وأموره المالية غير مستقرة تماماً، ولا يستطيع التسجيل في الشهر العقاري. وتساءل الموظف، عبد العاطي مكي: لماذا إلغاء صحة التوقيع عن السنوات الماضية؟ موضحاً أن ما يحدث أسلوب تعجيز، خاصة على الشباب الذين يملكون وحدات سكنية. وأضاف: "هل يعقل في خضم هذه الظروف أن تطلب مني عشرات الآلاف من الجنيهات من أجل التسجيل في الشهر العقاري؟

احتجاجات شعبية

ويؤكد مراقبون أن تعديلات قانون الشهر العقاري وغضب الشارع منها يعيد شبح تجدّد الاحتجاجات مرة أخرى، بعد أن شهدت مدن مصرية خلال شهر سبتمبر الماضي، عدة احتجاجات لمواطنين ضد إجراءات حكومية ولا سيما عمليات هدم المنازل التي تنفذها السلطات بزعم أنها مخالفة. وكان رئيس حكومة الانقلاب مصطفى مدبولي، قال آنذاك إن مشكلة البناء العشوائي التي تواجهها السلطات حاليا بتنفيذ عمليات الهدم تعود إلى 40 سنة، ودعا المواطنين للإسراع بتقديم طلبات التصالح وتسديد قيمة التسويات قبل نهاية المدة المحدد في 30 سبتمبر الماضي، قبل أن تمدّد المهلة تحت ضغط الشارع وتخفض قيمة المخالفات بشكل كبير، حسب "العربي الجديد".