انتبه الفرعون العظيم أمنحتب الثالث من نومه فزعاً، فجعلت زوجته الملكة «تي» تهدئ من روعه، فقال لها: رأيت أنني وأنت صرنا جثتين، واستخرجنا من مكاننا أناس يلبسون ملابس غريبة، وجعلوا يطوفون بنا الشوارع، حتى أودعونا مكاناً فخماً، وصار الناس يأتون من كل حدب وصوب لمشاهدتنا، قد تغيرت معالمنا كثيرا، وبقيت منا جلود على عظام، عدا شعرك الجميل يا مليكتي، وصار الناس يتحدثون عن سر احتفاظك به على هذا النحو من الجمال.
ابتسمت الملكة في زهو وهي تقول: هي خلطة سرية يا سيدي، دهن وشحوم البقر، وزيت الخروع، وشمع العسل. لأن كان المشهد من وحي خيالي، لكن الفرعون وزوجته حتما لم يكن يخطر لهما ببال أن جثتيهما سوف يطاف بهما في شوارع القاهرة، مع العديد من المومياوات المصرية القديمة لتقبع في متحف الحضارة في الفسطاط، وحتما لم تكن الملكة «تي» المعروفة بجمال شعرها، يخطر في بالها، أن صحفا عربية سوف تجعل من شعرها وخلطته السرية مادة دسمة لإثارة القراء. كان حدث نقل المومياوات الفرعونية مدوياً، سلط العالم بأسره الأضواء عليه، اعتبرته الأوساط السياسية والثقافية في مصر نقلة حضارية بعيدة، تربط المصري بتاريخه وحضارته العريقة.
سنتجاوز مشهد الجياع والغارقين في الفقر المدقع من الأحياء، الذين لا يجدون قوت يومهم، وهم ينظرون بحسرة لأموال الدولة التي تهدر على تكريم أموات مرّت عليهم آلاف السنين. سنتجاوز كذلك مشهد كوارث القطارات المتكررة نتيجة الإهمال والتباطؤ في تطوير وتجديد السكة الحديد، مقابل التدفق السريع للأموال في الإنفاق على هذا الحدث الضخم.

حالة من الترويج الممنهج لفرعونية مصر، والاعتزاز بها ظهرت في تصريحات العديد من المثقفين والمنتسبين إلى العلم الشرعي

ونتفهم أن النظام يهدف بهذا الحفل الأسطوري، إلى حشد الجماهير وتعبئتهم خلف قيادتهم السياسية، للتغطية على الفشل الإداري الواضح، وعلى وجه الخصوص، ملف سد النهضة، الذي بات يهدد المصريين بالعطش، بعد أن نجحت إثيوبيا، عن طريق المماطلة في الوصول إلى المرحلة الثانية لملء السد، بعد أن وقّع رئيس النظام المصري على وثيقة إعلان المبادئ حول سد النهضة، الذي اعتُبِر بوابة العبور الإثيوبية نحو بناء السد، الذي كانت تعارضه الأنظمة المصرية السابقة، اكتفى رئيس النظام فقط بالحصول على قَسَمٍ من الرئيس الإثيوبي بأنه لن يضر مصر. لكننا لن نتجاوز الحدث بتداعياته، التي تشير بقوة إلى أن مصر الإسلامية العربية تواجه تحديا كبيراً يتمثل في استدعاء الهوية الفرعونية. لم يستوقفني حدث نقل المومياوات، بمثل ما استوقفتني تداعياته وأصداؤه، حيث رصدتُ خلال مطالعتي للشأن المصري، أن هناك حالة من الترويج الممنهج لفرعونية مصر، والاعتزاز بها بشكل غير مسبوق، ظهر ذلك في تصريحات العديد من المثقفين والمنتسبين إلى العلم الشرعي. فتجد أن أحد علماء المصريات يقول، إن الفراعنة كانوا يصومون رمضان، ويعرفون ليلة القدر، وأحد الشيوخ المعروفين أنكر وثنية الفراعنة، وأثبت لهم الإيمان والتوحيد، وأن فرعون وحده كان كافراً، وأكد على الاعتزاز بالأجداد الفراعنة، وحذّر من كارثة طمس الهوية الفرعونية، معتبرا أنها محاولة لإقامة الخلافة التركية في مصر.
وعلى أصداء الحدث أعلنت مسؤولة في وزارة التربية والتعليم، أنه سيتم تدريس بعض الرموز الفرعونية والهيروغليفية لطلاب الصف الرابع الابتدائي، بل رصدنا مطالبة البعض بعودة ارتداء الملابس الفرعونية القديمة. من السطحية أن نتجاهل هذه الرائحة النفاذة في الحدث وتداعياته، لما فيها من خطورة بالغة على هوية الشعب المصري، التي انتهت في صياغتها الأخيرة إلى الإسلام، الذي انصهرت فيه جميع الحضارات الأخرى التي نشأت على أرض مصر، فشخصية مصر تراكمية تتشكل من طبقات، وكل طبقة تنصهر في الأخرى، من فرعونية خالصة إلى قبطية عريقة، ثم إسلامية عربية سمحة، بحسب كلام المفكر الجغرافي الشهير جمال حمدان في موسوعته «شخصية مصر».
استدعاء الهوية الفرعونية ليس أمراً جديداً، فقد بزغ في مصر في الربع الأول من القرن العشرين، مع سقوط الخلافة العثمانية، وبزوغ اتجاه ينزع إلى استدعاء تلك الهوية القديمة، وربطها بالحياة المعاصرة، بالتزامن مع حركة التنقيب عن الآثار التي أججت هذه النعرة. تبنى هذا الاتجاه بعض رموز الفكر والثقافة والأدب، أمثال الدكتور طه حسين، الملقب بعميد الأدب العربي، الذي كتب في مجلة «كوكب الشرق» في أغسطس1933: «إن الفرعونية متأصلة في نفوس المصريين، وستبقى كذلك بل يجب أن تبقى وتقوى، والمصري فرعوني قبل أن يكون عربياً، وأؤكد قول أحد الطلبة القائل: لو وقف الدين الإسلامي حاجزاً بيننا وبين فرعونيتنا لنبذناه».
وطيلة هذا القرن اصطبغت الحياة المصرية بصبغة فرعونية نوعية تمثلت في إطلاق رموز الفراعنة وآلهتهم على الفنادق والشوارع والصحف، وإدراج صورها في طوابع البريد والعملات المحلية، وشعارات الجامعات، كما دعّم هذه النظرة تلك التحولات الظاهرة في العمارة المصرية، إلى النسق الفرعوني، والاهتمام البالغ بالآثار القديمة، بينما تواجه الآثار الإسلامية أزمة إهمال واضح، وإضافة إلى ذلك ظهرت هذه الدعوة في كتابات آخرين أمثال، محمد حسنين هيكل الذي رأى حتمية إحياء الهوية الفرعونية لتتحقق نهضة مصر.
تأسيسا على هذه المعلومات، فإن استدعاء الهوية الفرعونية ليس وليد اللحظة، غير أن اليقظة الإسلامية وجهود المفكرين والمصلحين، حالت دون تغلغل هذه النعرة في الشعب المصري، الذي كان ينظر إلى الحضارة الفرعونية على أنها ماضٍ عريق له جوانبه المضيئة، وليس على أنه هوية تصبغ الحياة المصرية. تأسيسا على ما سبق، فإن هذه الدعوة إلى فرعنة مصر ليست جديدة، لكنها وجدت مناخا أكثر مناسبة بعد انقلاب الثالث من يوليو 2013، الذي فتح أبواب العبث بالهوية المصرية، بعد تحميل الإسلام مسؤولية الإرهاب، ومد المساحات الخضراء أمام المد العلماني مقابل التضييق على الدعاة والمصلحين، سوى من وافقوا النظام في توجهاته. التشغيب على هوية مصر الإسلامية العربية، يتزامن مع اشتداد الحديث عن توصيف الفتح الإسلامي لمصر بأنه احتلال، وأن مصر تعرّبت عنوة، وهذا جهل بالتاريخ لا ريب، ربما نتناوله في وقت لاحق.
الاستمرارية في التاريخ الفرعوني، لإقصاء الهوية الإسلامية العربية قد لفت أنظار المفكرين، ومنهم المفكر الراحل أنور الجندي، الذي رأى أن هناك محاولة خطيرة ترمي إلى ردة العالم الإسلامي إلى كيان وهمي قديم، وإعطائه صفة الاستمرار التاريخي تحت اسم: حضارة السبعة آلاف سنة الفرعونية، والفينيقية، والفارسية، والهندية، وتجري محاولة لإحياء هذه الحضارات القديمة. ربما يرى البعض هذا الحديث عن الصراع الهوياتي بين الإسلام والفرعونية على أرض مصر، مبالغة تفتقر للرشد والعقل، وضربا من الوقوع تحت أسر نظرية المؤامرة، لكن الشواهد التاريخية والواقعية، تفرض علينا أن نطرح هذه القضية، من دون الالتفات إلى المشككين، وحتى إن كانت مبالغة، فهي مبالغة محمودة، وقرع لأجراس الخطر تنبيها واتقاءً للشرور، حفظ الله مصر وشعبها من كيد كل الكائدين، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
كاتبة أردنية