بقلم: أحمد التلاوي*

يُعْتَبَر مشروع الوحدة الإسلامية من أسمى أهداف دعوة الإخوان المسلمين، ويحتل مكانة بارزة في مشروع الجماعة التي قامت في النصف الأخير من عقد العشرينيات من القرن العشرين المنصرم، وفي السياق العام الذي مرَّت به الدعوة في العقود الثماني التي تلت تأسيس الجماعة اتضح تمامًا من خلال عددٍ من المؤشرات والشواهد أنَّ الغايةَ الأسمى للجماعة هي تحقيق الوحدة بين جموع المسلمين في مختلف أنحاء العالم، وإعادة إحياء الدولة الإسلامية الكبرى التي امتدت قديمًا من تخوم الصين شرقًا وحتى ساحل المحيط الأطلنطي وبلاد الأندلس غربًا، ومن غانا جنوبًا وحتى فرغانة في بلاد الأفغان شمالاً.

 

ولم تكن جماعة الإخوان المسلمين دعوةً نظريةً في هذا المقام، بل إنَّ مختلف الأفكار التي طرحها الإمام الشهيد المؤسس حسن البنا- الذي نحتفل بمئوية مولده في هذه الأيام- كانت ثريَّة في جوانبها التطبيقيَّة على ذات الثراء الذي كانت عليه في جوانبها النظرية، وذلك على الرغمِّ من العواقبِ والصعابِ التي حَفِلَ بها طريق الدعوة في هذا المقام.

 

ومن بين هذه الإجراءات التي عَمِد إليها الإمام البنا في هذا المقام أسفاره العديدة إلى مختلف أنحاء العالم الإسلامي؛ حتى إنَّ الإخوان المسلمين بعد خمس سنوات فقط من ظهور دعوتهم كانوا موجودين في خمسين دولة يحملون أجندة موحدة على رأس بنودها مشروع الوحدة الإسلاميَّة.

 

ولعل الإخوان المسلمين وهم يبدأون هذا الطريق في النصف الأول من القرن العشرين كانوا أولاً على إدراكٍ تامٍ بحقيقة المتاعب التي سوف يحفل بها طريق الوحدة الإسلامية مع اصطدام هذا المشروع بالعديد من الظروف والقوى المحليَّة والدوليَّة التي لها مصالحها التي تتعارض بكل تأكيد مع مشروع الإخوان المسلمين بإعادة توحيد الأمة.

 

وقد تَمَثَّلتْ هذه القوى في ثلاثة أطراف رئيسيَّة؛ الطرف الأول منها هو نظم الحكم الفاسدة في كثيرٍ من دول العالم العربي والإسلامي، والثاني تمثَّل في قوى الاستعمار العالمي التي كانت موجودة في كل ركن من أركان الأمة في ذلك الوقت، أمَّا الطرف الثالث فقد تمثَّلَ في المشروع الصهيوني الذي له روابطه القوية مع كل من الطَّرَفَيْن السابقَيْن؛ فالمشروع الصهيوني يستمد حمايته من المشروع الاستعماري الغربي، كما أنَّ من مصلحة الصهاينة أنْ تستمر نظم الحكم الديكتاتورية الفاسدة في الحكم في العالم العربي والإسلامي لتعطيل مشروع الوحدة الإسلامية الذي طرحه الإخوان، والذي كان يتميَّزَ عن غيره من مشروعات النهضة الإسلامية في القرنَيْنِ الأخيرَيْن بأنَّه مشروع له جوانبه الحركيَّة، وجاذبيته الفكرية، وكذلك مناحيه البرامجيَّة التي تضمن تنفيذه على مراحل متعددة.

 

والحقيقة أنَّ أهمية هذا الملف الكبير قد تزايدت مع ما شهدته المرحلة الراهنة من تصاعدٍ كبيرٍ في الاهتمام العالمي بـ"ملف الإسلام" لو صحَّ التعبير في ظل النشاط الكبير للجماعات الإسلامية وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين كرقمٍ صعبٍ تجاوز المحليَّة بكثير إلى حدِّ التأثير في السياسة الدولية.

 

فالمُطَّلِع على حقائب قيادات الأجهزة الدبلوماسيَّة الأمريكيَّة والأوروبيَّة يجد الكثير من الكلام عن جماعات الإسلام السياسي، وأهمية الحوار مع الجماعات الإسلامية المعتدلة مع ضرورة تغيير السياسة الأمريكية تجاه العالم الإسلامي حكومةً وجماعات.

 

وفي ورقتنا هذه سوف نحاول التَّعَرُّف على ملامح فكر الإمام الشهيد حسن البنا فيما يتعلَّق بمشروع الوحدة الإسلامية، وأهم المسارات التي يسير فيها هذا المشروع.

 

أولاً: عوامل تشكيل ومسارات اهتمام

كان هناك العديد من العوامل التي ساهمت في جعل مشروع الوحدة الإسلامية الغاية العليا لدعوة الإخوان المسلمين، وهذه العوامل بعضها خاص بتوقيت نشأة الدعوة، والبعض الآخر يعود إلى فكر الإمام البنا ذاته والأجندة التي وضعها لدعوته الجديدة.

 

وفي حقيقة الأمر فقد ساهمت العديد من المسارات السياسية في رسم تفكير الإمام الشهيد- رحمه الله- وتوجيهه فيما بعد خلال محاولاته تحقيق هذا الأمر، ومن هذه المسارات طبيعة السياسات الإقليمية والدولية التي كانت قائمة في ذلك الحين، إضافةً إلى الواقع السياسي الذي كان قائمًا في مصر.

 

وفيما يخص عامل التوقيت فقد ظهر مشروع الإخوان المسلمين في فترةٍ حالكةٍ من التاريخِ الإسلامي كان ولا بد معها وفق نواميس الكون والخلق الإلهي أنْ تظهر دعوة وحدوية إصلاحية شاملة مثل الإخوان المسلمين، وكانت أبرز سمات هذه المرحلة:

 

- حالة التشرذم والفرقة الكبيرة التي كانت عليها الأمة العربية والإسلامية في ذلك الحين، والتي كانت سببًا مُهمًّا وأيضًا سمتًا مميزًا لحالة التخلف العلمي والفكري والحضاري الشامل الذي كانت عليه الأمة في ذلك الحين رغم أنَّها تضمُّ في أنحائها العديد من مواطن الحضارات الإنسانيَّة الأولى كما في مصر والعراق وإيران وسوريا.

 

- إعلان مصطفى كمال أتاتورك في العام 1924م عن إلغاء الخلافة الإسلاميَّة وإسقاط دولتها العثمانية وإقامة دولة تركيا كجمهوريةٍ علمانيةٍ على أنقاضها ليضع بذلك حجرًا مُهمًّا في دعم المشروع الاستعماري الغربي في العالم العربي والإسلامي وليقطع أهم رابطٍ كان لا يزال يجمع ما بين أركان الأمة وجموع المسلمين في كل أنحاء العالم، وبدلاً من أنْ تكون هوية المسلم في بطاقة هويته الرسمية في خانة الجنسية "مسلم" أصبح هذا عراقي أو ليبي أو سوري وهكذا.

 

- امتداد الاستعمار الغربي إلى كل أجزاءِ الأمة العربية والإسلامية تقريبًا باستثناء المناطق الداخلية من شبه جزيرة العرب التي أقام عليها سلطان نجد والحجاز في ذلك الحين عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود المملكة العربية السعودية.

 

ولكن وبخلاف مناطق نجد والحجاز كان الاستعمار البريطاني والفرنسي بالذات يسيطر على نحو 90% من مساحة العالم العربي والإسلامي، وقد لعبت قوى الاستعمار تلك في المنطقة على إثارة النَّعَرَات القومية والشعوبيَّة، بل والقبليَّة والعشائريَّة أيضًا، إضافةً إلى الانقسامات المذهبيَّة في مختلف ربوع الأمة، فعادت دعاوى الهويَّة تظهر الفارسية والفرعونية وغيرها والتي قضى عليها الإسلام تظهر في إيران ومصر وتركيا ومختلف أرجاء الأمة.

 

وقد خلق هذا السلوك الاستعماري مشكلات حتى داخل الدولة القومية في العالم العربي والإسلامي، فالعراق مُقَسَّم ما بين شيعة وسُنَّة وأكراد بينما كلهم مسلمون!!، وهكذا.

 

- الحالة السياسية الداخلية في مصر في ذلك الحين أوقدت في ذهن الإمام البنا أهمية صياغة وطرح مشروع وحدوي أيًّا كانت مساراته الفكرية ومستوياته التنفيذية؛ ففكر الحزبية كان هو السائد، وكانت الانقسامات السياسية والاجتماعيَّة- الطبقيَّة داخل مصر في ذلك الحين تثير التساؤل حول جدوى هذا الوضع في ظرفٍ كانت مصر فيه أحوج ما تكون إلى تلاحُم أبنائها ووحدة كافة ألوان الطيف السياسي في البلد.

 

وفي هذه الظروف وعلى هذه الصورة نشأت فكرة دعوة البنا في شأن تأسيس جماعة دعوية سياسية شاملة باسم الإخوان المسلمين، ولذلك- أيضًا- كان على قائمة أولويَّاتها مشروع الوحدة الإسلامية التي رأى فيها الإمام البنا الحل النَّاجع لمشكلات مصر والمسلمين عمومًا من تَشَرْذُمِ وتخلُّف حضاري شامل.

 

وقد كانت الأفكار التي صاغها الإمام البنا- رحمه الله- على اتساع منظوره لمختلف القضايا التي تناولها قد حاولت أنْ تشمل في تناولها العديد من الملفات والقضايا التي كانت- ولا تزال في واقع الأمر- تشغل فِكر الإنسان المسلم في ذلك الوقت.

 

وكان أوَّل ملاحظة خرج بها الإمام الشهيد أنَّ هناك حالةً من "الشيوع" الحاصلة في فكرِ وانتماءات المسلمين في مصر ومختلف عموم الأمة فيما يتعلَّق بتصنيف الهويَّة، فهناك الاتجاه الذي يُعْلي من شأن الاتجاه الوطني التقليدي [فهذا مصري وهذا لبناني وهذا سوري... إلخ]، وهناك اتجاه يُعلي من شأن الاتجاه القومي العروبي، بينما كان الانتماء الإسلامي غائبًا إلى حدٍّ كبيرٍ عن ذهنية المواطن العادي في مختلف أرجاء العالم الإسلامي.

 

وقد كانت الفكرة حاضرة لدى الإمام البنا منذ بدايات مشروعه، ووضحت بالذات قضية مهمة في سلوكه الدعوي العام، وهي أنَّ إصلاحَ العلاقات بين المسلمين على مستوى من المستويات، وفي أي شكلٍ من أشكال العمران والتجمُّع البشري بدءًا من الأسرة الواحدة، ووصولاً إلى مستوى الأمة الواحدة مرورًا بالحيِّ الواحد ثم المجتمع الواحد فالدولة الواحدة، وذلك انطلاقًا من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)﴾ (سورة الحجرات).

 

وفي دراسةٍ ضافية له بعنوان "الوحدة الإسلاميَّة كمقصِدٍ من مقاصِد التَّشريع في الفكر الإسلامي" وَضَعَ الدكتور بابكر عبد الرحمن الأستاذ بجامعة البليدة الجزائرية نموذجًا مهمًّا لأحدِ المواقف التي تعرَّضَ لها الإمام البنا في مَبْدِأِ حياته الدعوية والتي تؤكد إلحاحَ قضية الوحدة والإصلاح بين المسلمين لديه وفي فكره.

 

ويقول الدكتور بابكر في مستهلِّ دراسته هذه: "من المآثرِ الخالدة التي تنسب إلى المُصْلِحِ المُجَدِّد الشيخ حسن البنا أنَّه دَخَلَ المسجد ذات يوم، فوجد صدامًا عنيفًا قد احتدم بين المُصلِّين، إلى درجة أنْ كادت الفتنة تعصف بهم جميعًا، مُختلفين في صلاة التراويح وفي عدد ركعاتها، ما بين مُقْتَصِرٍ على ثمانية وعلى عشرة وعلى عشرين ركعةٍ، ودخل الشيخ بأسلوبه الحكيم، ونظره البعيد، ومَنْطِقِه السَّديد، ليُصلحَ بين القوم، فإذا بالمرشد أو المصلح ينظر إلى الموضوع من زاوية غابت عن الجميع، فهو لم يحتكم إلى جزئيَّة من جُزئيَّات الموضوع، أو مسألة من مسائل النصِّ، فيحكم بها بين المتخاصمين، متعِّرضًا إلى مصدر الفتوى التي من أجلها احتدم الخلاف، ككون الحديث الذي استند إليه هذا الفريق صحيحًا أو ضعيفًا، أو هذا القول مؤيَّدٍ بقول الإمام مالك أو غيره من الأئمة الفقهاء، بل استند إلى أصلٍ من أصولِ الشريعة، ومقصدٍ من مقاصدها الكبرى التي تضافرت على اعتباره نصوصٌ كثيرة من القرآنِ والسنةِ، فسألهم قائلاً: "هل صلاة التَّراويح فرضٌ أم سُنَّة؟"، واتفق الجميع بأنَّها سُنَّة، ثم زاد فسألهم: "هل الوحدة الإسلامية ونبذِ الصراع والخصام فرضٌ أم سُنَّة؟"، فقال الجميع بأنَّها فرضٌ، ثم زاد فسألهم: "إذا تعارض الفرضُ مع السُّنَّة أيُّهما يُقَدَّم؟"، فقال الجميع: "يُقدَّمُ الفرضُ"، ثم قال: "اليوم لا نُصلِّي صلاة التراويح".

 

ومعنى ذلك أنَّ الإمام الشهيد حسن البنا ينظر إلى قضية الوحدة الإسلامية على أنَّها مَقْصِدٌ من المقاصد الكبرى في الشريعة الإسلاميِّة، وهو مفهوم مقتبس من توحيد الله عز وجل، وأنَّ هذه الأمَّة أمَّة توحيد واتحاد، واقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)﴾ (سورة الأنبياء)، وفي آية أخرى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52)﴾ (سورة المؤمنون).

 

ثانيًا: الوحدة والاختلاف في السُّنَنِ الإلهيَّة

انطلَقَ فِكْرُ الإمام البنا- رحمه الله- في هذا الشأن من رافدَيْن رئيسيَّيْن على المستوى الفكري؛ وأول هذه الروافد كان كتاب الله وسُنَّة رسوله الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم)، أمَّا الرافد الثاني فقد كان ناموس السُّنَنِ الإلهية التي وضعها الله سبحانه وتعالى في كونه وخلقه، والتي حرص البنا على دراستها وفهمها فهمًا صحيحًا.

 

وهنا قضية مُهمَّة تطرح نفسها وجب تناولها بشيء من التفصيل على أهميتها؛ لأنَّها تُشَكِّل هاجسًا مُهمًّا ونقطة التباس لدى الكثيرين من البحَّاثة حول موضوع الوحدة الإسلامية، ووحدة المصير البشري عمومًا- وهي أيضًا جزءٌ مهم في فكر الإخوان المسلمين ضمن مرحلة أُستاذية العالم التي دعا إليها البنا- وهي تلك المتعلِّقة بِسُنَنِ الاختلاف في الأرض.

 

فالاختلاف سُنَّةٍ كونية وتتمثل- بتبسيط غيرِ مُخلٍّ بالمعنى- في أنَّ الله سبحانه وتعالى لم يَخْلِقُ شيْئَيْن مُتطابِقَيْن تمام التطابق على قدرته عز وجل على ذلك، في إشارةٍ مهمةٍ إلى خلقه إلى أنَّ الإنسان وكافة المخلوقات إنَّما الأصل فيها الاختلاف لحكمةٍ بالغةٍ من بينها تحقيق التعارف والتكامل بين البشر أفرادًا وأممًا، مجتمعاتٍ وحضارات، لكنها لا تتعارض في شيء مع مقصِد الوحدة الإسلامية التي لا تتعارض مع الاختلاف البشري القائم في كل شيء بين المسلمين- أفرادًا ومجتمعاتٍ أيضًا- باعتبار أنَّ سُنَّة الاختلاف تَنْبُع من خصائص المجتمع البشري ككلٍّ.

 

ولكنَّ الوحدة الإسلامية تتعارض مع مبدأ الخلاف بين المسلمين، وهو ما ظهر مشروع الإخوان المسلمين ليقضي عليه.

 

والقرآن الكريم يتناول هذه القضية في كثيرٍ من مواضعه فالله عز وجل قال: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا (32)﴾ (سورة الزُّخْرُف: من الآية 32)، وأيضًا قال عز وجل ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)﴾ [سورة الأنعام]، وفي ذات السورة اختتمها رب العزة بالقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165)﴾، وقال أيضًا: ﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (سورة الإسراء: من الآية 21).

 

وقضية الاختلاف والأفضلية هنا شرطها الله عز وجل فهي تارة مرتبطة بالعلم، وتارة أخرى مرتبطة بالإيمان؛ فقال تعالى ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)﴾ (سورة يوسف من الآية 76)، وقال أيضًا في الآية 11 من سورة المجادلة: ﴿يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11)﴾.

 

فهنا سُنَّة الاختلاف تكون على مستوى الأفراد والجماعات لاختلاف والطاقات والموارد- أيًّا كان نوعها- بينهم، وأيضًا لاختلاف طبائع البشر وتباينها وتعدُّد ثقافاتهم، وتَنَوُّع أفكارهم، "وبذلك يكون التكامل الحضاريُّ نتيجة من نتائج الاختلاف".

 

وفي المقابل فإنَّ الله سبحانه وتعالى قد نهى عن الخلاف مقابل تأكيد فكرة الاختلاف، وفي هذا هناك ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (سورة هود- الآيتان: 118- 119).

 

وفي شروحات بعض العلماء لهذه الآية وجدوا أنَّ الله عز وجل قد ذَكَرَ "الاختلاف" فيها مرَّتَيْن؛ في إحداها جرى وصفه بصفات ذميمة، ولكنَّه في الثانية جعله سبحانه وتعالى سمتًا للحياة الإنسانية بوجهٍ عام، ومن هنا يمكن فهم أنَّ الاختلاف المذموم في الآية هو الاختلاف الذي يؤدِّي إلى الضعف والتَّشَرْذُم، وهو يتمايز عن الاختلاف الهادف الذي يمكن عن طريقه تحقيق أهداف الخلق الإلهي للإنسان، مثل التَّعارُف وتلاقُح الحضارات، قال تعالى في سورة الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)﴾ (الحجرات).

 

كما أنَّ الآية الأخيرة من سورة الأنعام فيها ذات الدلالات فالله تعالى قال فيها إنَّه من بين أهداف خلق الإنسان جعله خليفة لله تعالى في الأرض ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ﴾، وضمن هذا الاستخلاف تأتي سُنَّة الاختلاف ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ (الأنعام: من الآية 165).

-----------

* باحث في العلوم السياسية