مع اقتراب موعد الملء الثاني للسد الإثيوبي وتأثيراته السلبية المتوقعة، شهدت الأيام الماضية سجالا فنيا حول السد بين الناشط السياسي والاستشاري الهندسي ممدوح حمزة، وحكومة الانقلاب وأذرعه الإعلامية.

السجال سببه نشر ممدوح حمزة -الذي يعيش خارج مصر بعد صدور أحكام قضائية ضده- عددا من مقاطع الفيديو بشأن السد الإثيوبي، تحدث فيها عن الخلفية التاريخية للسد، وتدخل بعض أعداء مصر للمشاركة أو تمويل وتشجيع بناء السد، وعدد من الأمور الفنية التي تؤكد التأثير السلبي الكبير للسد على مصر.

في المقابل، ردت حكومة الانقلاب على حمزة - دون ذكر اسمه- عبر بيانات رسمية، استهدفت تفنيد المعلومات التي يقدمها، وشن إعلاميون مقربون من الحكومة هجوما كبيرا عليه للتشكيك في البيانات التي ينشرها.

ويعد حمزة من أبرز المهندسين الاستشاريين في مجال الهندسة المدنية، خاصة هندسة التربة، وشارك مكتبه الاستشاري في عدد من المشروعات المهمة، من أشهرها بناء مقر مكتبة الإسكندرية، وتطوير العين السخنة في مصر، وكذلك مبنى وزارة المالية بالجزائر، وتطوير خليج العقبة بالأردن.

بدأ السجال بمقطع فيديو نشره حمزة وتحدث فيه عن الخلفيات التاريخية للسد، وعدة محاولات إثيوبية سابقة لتحويل مجرى النيل الأزرق لحرمان مصر من نهر النيل، بتشجيع من طرف ثالث دائما، كان قديما دولا استعمارية تعادي مصر، مشيرا إلى أن الطرف الثالث في أزمة السد الحالي هو الصهيونية العالمية.

وألقى الاستشاري الدولي باللوم على النظام خلال العقد الأخير، في فتح الباب أمام إثيوبيا لبناء السد، بالموافقة على الاجتماعات الفنية المتتالية ومخرجاتها.

وأشار حمزة - في الفيديو- إلى أن حسن نية مصر والسودان كان أقوى سلاح اعتمدت عليه إثيوبيا، وقد يؤدي لخسارة حقوق البلدين في السد لصالح الصهيونية العالمية التي تهدف للسيطرة على مياه النهر، وجعلها سلعة يتم تداولها في البورصات العالمية التي بدأت العام الماضي في تداول أسهم المياه لأول مرة.

مقطع الفيديو الأول لقي رواجا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، وتناوله عدد من وسائل الإعلام ونشطاء المعارضة في مصر والخارج، لكنه لم يستدعِ أي رد من النظام أو الإعلام الحكومي.

وبخلاف مقطع الفيديو الأول، جاء المقطع الثاني فنيا بامتياز، حيث شرح فيه ممدوح حمزة طبيعة "التصميم العدائي" للسد الإثيوبي، وكيف تحولت طبيعته من حجز 14 مليار متر مربع إلى 94 مليارا، وليس 74 مليارا كما تشيع إثيوبيا في بياناتها.

وشرح التعديلات التي تمت على مشروعات السدود الإثيوبية خلال القرن الماضي، والتي بدأت كسدود كهرومائية بسيطة لتوليد الكهرباء، وكيف أقنع البنك الدولي إثيوبيا بتغيير طبيعة السد إلى سد متعدد الأغراض، يهدف لتخزين المياه وإنتاج الكهرباء وزراعة الأراضي المحيطة به.

وأشار حمزة إلى استمرار إثيوبيا في مشروع السد، بما يخالف نتائج دراسة الجدوى التي أجراها معهد متخصص في كامبريدج البريطانية التي أكدت عدم جدوى المشروع اقتصاديا، موضحا أن إثيوبيا تهدف لعمل 3 سدود أخرى فضلا عن السد الحالي، وقامت بالفعل بوضع حجر أساس السد الثاني "كاردوبي" هذا العام.

كما أشار إلى دراسة أجريت في جامعة سان دييجو، أكدت أن السد الإثيوبي مصمم بطريقة تزيد كثيرا على الحاجة منه، متسائلا عن سبب عدم استعانة الحكومة بالمتخصصين الذين أجروا هذه الدراسة.

وعرض حمزة مخططا تفصيليا للسد الكارثي، أوضح فيه تصميم التوربينات بشكل لا يسمح بعملها إلا في حالة امتلاء السد بشكل كبير، مما يعني حجز كمية كبيرة من المياه تهدد حصة مصر، وأوضح أن النظام يعلم ذلك منذ عام 2016، وطلب زيادة عدد الفتحات الموجودة في السد لكن إثيوبيا رفضت.

وتساءل في ختام المقطع عن جدوى التفاوض مع إثيوبيا في الوقت الذي يعرف فيه النظام طبيعة التصميم العدائي للسد، وخطط إثيوبيا للاستيلاء على 74 مليار متر مكعب من مياه النيل، فضلا عن 20 مليارا أخرى أكدت الدراسات ضياعها بسبب البخر والتسريب.

وانزعج النظام في مصر ـ على ما يبدوـ من التفاصيل الفنية التي عرضها حمزة في مقطع الفيديو الثاني، فأصدرت وزارة الموارد المائية والري بيانا تفصيليا، بدا فيه أنها تريد تفنيد ما عرضه الاستشاري المصري، دون الإشارة إليه.

وأكدت الوزارة -في بيانها الفني المليء بالأرقام- أن فتحات تمرير المياه في السد تقع على منسوب أقل من أقصى منسوب لجسم السد بارتفاع كافٍ، وأن القدرة الاستيعابية لعمل هذه الفتحات على مدار العام تمكنها من تمرير التصريفات السنوية للنيل الأزرق.

وخرج عضو لجنة مفاوضات السد الإثيوبي علاء الظواهري على أكثر من قناة فضائية لشرح بيان وزارة الري المصرية، ونفى المزاعم المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي - في إشارة غير مباشرة لممدوح حمزة- حول فتحات السد الإثيوبي، في الوقت الذي سخر فيه إعلام الانقلاب من تصريحات حمزة.

ولم توقف ردود النظام وأذرعه الإعلامية الاستشاري الدولي الذي نشر مقطع فيديو ثالثا شن فيه هجوما شديدا على ما أسماه "إعلام السامسونج"، في إشارة للإعلام الموالي لنظام الانقلاب، كما شن هجوما على بيان الوزارة وتصريحات المتخصصين، واصفا إياها بالتدليس على الشعب المصري.

وكشف حمزة، في المقطع الثالث، عن المراجع التي استقى منها المعلومات التي قام بنشرها، وأهمها المرجع الأساسي من المكتب الاستشاري المشارك في تصميم وتنفيذ السد، والتي تؤكد ضياع ما لا يقل عن 8 مليارات متر مكعب على مصر، وما قد يصل إلى 15 مليار متر مكعب في الحد الأقصى.

وشدد حمزة على أن إثيوبيا تهدف - بشكل معلن- إلى جعل النيل الأزرق بحيرة إثيوبية، موضحا عبر وثيقة عرضها أن مصر وافقت في واشنطن على جدول الملء الثاني، متسائلا عن السبب وراء اعتراض القاهرة على الملء الذي وافقت عليه من قبل.

وتساءل عن السبب وراء استمرار المفاوضات المصرية، مؤكدا أن مصر تضيع، وأن بحيرة ناصر ستتعرض للجفاف خلال أعوام قليلة، وستتعرض مصر لأزمة كبيرة تهدد وجودها.

وأعقب حمزة مقطع الفيديو بتغريدة طالب فيها السيسي بالانسحاب الفوري من اتفاق إعلان المبادئ الخاص بالسد، والذي وقعه السيسي مع قائدي إثيوبيا والسودان عام 2015، مهددا بأن وجود السد على النيل الأزرق يعني نهايته، وربما محاكمته، مشيرا إلى أن إيقاف أي سدود على النيل الأزرق تعني رفع الخطأ واحترام الشعب له.

فيديوهات ممدوح حمزة -خاصة الأخير منها- أثارت تفاعلا كبيرا على مواقع التوصل الاجتماعي، الذي شهد انتشارا واسعا لها، وتساؤلات حول حقيقة المعلومات الموجودة فيها.

كما استنكر عدد من المتابعين الصبر المبالغ فيه من السيسي وحكومته على التصرفات الأحادية الإثيوبية في قضية السد الإثيوبي، وطالبوا بحسم القضية قبل فوات الأوان.

وكان ممدوح حمزة من أشد مؤيدي الانقلاب العسكري بقيادة عبد الفتاح السيسي في 3 يوليو 2013 .