أختي الحبيبة.. إذا سألنا كل أخت منا ماذا تريدين أن تكوني؟! تقول أن أكون سعيدةً في الدنيا والآخرة، وهذا بالطبع لا يتحقَّق إلا إذا فعلنا ما أمرنا الله به، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56)﴾ (الذاريات)، فنحوِّل حياتَنا كلَّها عبادةً، فليست الصلاة والصيام والقرآن العبادة فقط، ولكن المأكل والمشرب والعمل والزواج وتربية الأولاد، وكل أمور حياتنا ننويها لوجه الله فإنها تصبح عبادة.

إذن لماذا نربي أبناءنا؟

لكي يكونوا من عباد الله المؤمنين الموحِّدين الداعين إلى الله، ويكونوا هم وذريتُهم نصرًا للإسلام والمسلمين، ومع ذلك أيضًا فهم زينةٌ في الحياة الدنيا ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً (46)﴾ (الكهف)، فهم حقًّا مصدرُ سعادة وبهجةٌ في الدنيا، ولولا حلاوتهم ما جعل الله للوالدين حبًّا لهم وصبرًا على رعايتهم ولكن بالقدْر المناسب من الحب والرعاية دون تدليل يؤدي إلى المفسدة.

ولقد حذَّرنا- سبحانه وتعالى- من الفتنة في المال والأولاد، ومن أن يطغى حبُّهم إلى درجة انتهاك الأوامر الربانية، وأن يكونوا سببًا لغضب الله علينا؛ حيث قال:﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15)﴾ (الطلاق)، فلنحذَر ولْنعلمَ أن الباقيات الصالحات خيرٌ لنا عند ربنا، ولكنَّ اللهَ يعلمُ أنَّه ربما قد يشغلنا هذا الأمر، ولكنْ بشرط عدم طغيانه على أوامر الله ونواهيه، لذلك فإن الرسول- عليه الصلاة والسلام- يذكِّرنا في حديثه؛ حيث يقول: "فتنة الرجل في أهله وماله وولده ونفسه وجاره يكفِّرها الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (رواه الشيخان والترمذي).

قبل أن نتحدث عن كيف نربي أبناءنا، وماذا نريد أن يكونوا، نتحدث عن فضل وأهمية وثواب تربية الأبناء كذلك عقوبة التقصير في تربيتهم.

فضل التربية وثوابها

إن حسن التربية حجابٌ من النار وسبيل إلى الجنة، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (التحريم: من الآية 6) كما قال الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "من كان له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات أو بنتان أو أختان فأحسن صحبتهن وصبَرَ عليهن واتقى الله فيهن دخل الجنة" وفي رواية وردت بواحدة.

قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "ما نحل والدٌ ولدًا من نحل أفضل من أدب حسن" والنحل: الهدية، فقد يظن بعض الآباء أن أفضل ما يقدمه هدية لأبنائه هو بعض المال الذي يدَّخره كي ينفعَهم في حياتهم أو أن يُدخلَهم أفضل المدارس أو يُلبسهم أفضلَ الثياب أو يُلبِّيَ لهم كلَّ رغباتهم أو.. أو.. لكن الرسول- صلى الله عليه وسلم- يبين لنا أن أفضل هدية نمنحها لأبنائنا هي حسن الأدب الذي ينفعهم في دنياهم وآخرتهم، وإن توفرت الأمور الأخرى فلا بأس، ولكن الأدب هو الأهم.

كذلك قول الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "لأن يؤدب الرجل ولده خيرٌ من أن يتصدق بصاع" فهو المال الذي يحفظ على الولد أدبه وحسن خلقه ويعينه على الخير، فيبقى معه الأدب ببقائه وينصلح المجتمع به، فهذا خيرٌ من الصدقة التي تسدُّ حاجة الجائع لفترة قصيرة، وهذا لا يعني ألا نتصدَّق، ولكن ننبِّه إلى أهمية تأديب الأبناء وإذا تعذَّر معه المال فالتأديب الحسن أولى.

كذلك قول الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "تناكحوا تناسلوا تكاثروا فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة" فهذا حديثٌ يحثنا على أن نكون مصدرَ سعادة للرسول- صلى الله عليه وسلم- يوم القيامة؛ حيث يباهي بنا الأمم يوم القيامة فلنجتهد لنحسن تربية أبنائنا لنستحق المباهاة ونسعد بسعادة الرسول- صلى الله عليه وسلم- بنا يوم القيامة.

يقول حبيبنا- صلى الله عليه وسلم-: "أفضل الدينار دينار ينفقه الرجل على عياله، ودينار ينفقه على دابته، ودينار ينفقه على أصحابه"، فأفضلهم الذي يُنفِقُه على عياله ليحفظهم من الضياع ويسلِّحهم بالأدب والأخلاق.

وأيضًا قوله- صلى الله عليه وسلم-: "إن من الذنوب ما لا يكفِّره إلا السعي على الرزق" وهذا من أجل سدِّ حاجة عياله وأهله.

الأبناء سببُ سعادة لنا بعد وفاتنا وسببٌ لرفع الدرجات؛ لحديث الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".

استشعار الثواب العظيم من الله- سبحانه وتعالى- في حسن تربيتنا لأبنائنا؛ لحديث الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "لأن يهديَ الله بك رجلاً واحدًا خيرٌ لكَ من حمر النعم" فما بالك إذا هدى الله لك 5،4،3،... من الأبناء؟!

حديث الرسول- صلى الله عليه وسلم- فيما معناه: مثل الحامل كالصائم الذي لا يفطر والقائم الذي لا ينام، فإذا وضعته كان لها كفارة عام، فإذا أرضعته كان لها بكل حسوة حسنة، والحسوة أدق من القطرة، فإذا سهرت عليه ليلةً في رضى ناداها الله عز وجل من فوق سبع سماوات، وقال: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17)﴾ (السجدة)، فإن استشعار هذا الأجر والثواب يؤثِّر كثيرًا في تحمُّل الأمهات لتربية أبنائهن لما فيه من الأجر الكبير.. فهل شعرنا بنعمة الأبناء؟! وتتم هذه النعمة بسلامة أبدانهم وصلاح قلوبهم.. فهل شكرنا الواهب؟!

خطر الإهمال

 يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24)﴾ (الصافات) وأيضًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (التحريم: من الآية 6)، ويقول حبيبنا- صلى الله عليه وسلم-: "كفى بالمرء إثمًا أن يضيِّع من يعول" والمراد بالضياع هنا عدم حسن تربيتهم التربية السليمة وفي ذلك ضياع دينهم وعقولهم وقلوبهم، ولا يبقى إلا الجسد الذي يغذَّى وكفى، وضياعهم بتركهم للرفقة السوء وبتركهم أمام التلفاز يبثُّ فيهم من سمومه دون رقيب، وضياعهم بكثرة انشغال الأم والأب عنهم وعدم الجلوس معهم والإحساس بالترابط الأسري، فالأبناء في هذه الحالة يصبحون كالأيتام، وصدق الشاعر إذ يقول:

ليس اليتيمُ مَنْ تركهَ أبواهُ    في همِّ الحياةِ وخلفاهُ ذليلا

إنَّ اليتيمَ هُو الذِّي تَلقَى لهُ      أمًّا تخلَّتْ أو أبًا مشْغُولا

أبناؤنا.. أمانة سنحاسب عنهم كما أخبرنا الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "إن الله سائل كل راع عما استرعاه، حفظ أم ضيع، حتى الرجل يُسأل عن أهل بيته" كذلك: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" و"أعينوا أولادكم على البرّ ومن شاء استخرج العقوق من ولده" و"وكما تدين تدان" إذا قصَّرنا في حقِّهم فسوف يقصِّرون في حقِّنا عند الكبر.

مثال الرجل الذي جاء يشكو إلى سيدنا عمر بن الخطاب عقوق ابنه، فقال له هل أحسنت اختيار أمه؟ قال: لا.. فقال: هل أحسنت اسمه؟ قال: لا.. فقال له: هل حفظَّته شيئًا من القرآن؟ فقال: لا.. فقال له عمر: لقد عققته قبل أن يعقَّك.

فهلا استشعرنا مدى الأمانه والمسئولية التي على أعناقنا!! وهذا يتطلَّب منا بذلَ جهد أكبر في تربية أبنائنا.

ما الذي نريده في أبنائنا؟!

نريد أن يكون لدينا الفرد المسلم الذي منه الأسرة المسلمة فالمجتمع المسلم، وهذا الفرد المسلم نريده: سليم العقيدة، صحيح العبادة، مثقف الفكر، متين الخلق، قوي البدن، قادرًا على الكسب، منظمًا في شئونه، مجاهدًا لنفسه، حريصًا على وقته، نافعًا لغيره، وهذا لا يكون إلا بالتربية الإسلامية السليمة على يد مربِّين يفهمون هذه المعاني جيدًا ويتحلَّون بالصفات التي يتحلَّى بها المربي، ويبذلون أقصى جهد في تربية أبنائهم، وهذا ما سنتحدث عنه في المرة القادمة إن شاء الله.