أشرف دوابه

قضية السد الإثيوبي تمثل الخيانة في ألمع صورها، والتعنت في أشد فصوله، والتفاوض بين أقصى وأدنى درجاته، والتضليل في أبهى معانيه.

إنها خيانة ساسة ونخبة العار ممن زاروا إثيوبيا وقلبوا اسم السد إلى سد النهضة، نكاية في مشروع النهضة الذي كان الرئيس محمد مرسي - رحمه الله - يسعى لتحقيقه.. إنها خيانة من خان رئيسه وانقلب عليه وباع تيران وصنافير وحقولا للنفط والغاز بشرعية زائفة وأموال مجهولة لم يعرف أحد طريق استقرارها.. إنه تعنت الجانب الأثيوبي وغطرسته ونظره للجانب المصري شذرا وهملا.. إنها تفاوض القوة من الجانب الإثيوبي، وتفاوض الخذلان من الجانب المصري الذي يفتقد لأي ورقة تفاوض بعد أن وقع الجنرال على اتفاقية المبادئ التي كانت السبيل لضياع النيل ومستقبل مصر الوطن.. إنه زيف الإعلام وكذبه الذي أبدل عبارة السيسي هبة مصر بـ"مصر هبة النيل".

لقد شهدت الأيام الماضية عودة الوفد المصري من مجلس الأمن بخفي حنين، فقد فقدت الدبلوماسية المصرية هيبتها، وضاع في أروقته نيلها؛ فالمشروع الذي تقدمت به تونس لمجلس الأمن والذي يمهل الدول الثلاث (مصر والسودان وإثيوبيا) ستة أشهر للتوصل إلى اتفاقية ملزمة بشأن سد النهضة، من خلال جولة جديدة من المفاوضات يدخل فيها وسيط آخر مثل الأمم المتحدة إلى جانب الاتحاد الأفريقي، ذهب أدراج الرياح. ولم نشاهد إلا كلمات عن النيل المغدور لذر الرماد في العيون، وتعنتا إثيوبيا واضح المعالم برفضهم تدخل مجلس الأمن الدولي في قضية مياه النيل، والتأكيد على أن الملء الثاني لخزان السد سيستمر كما هو مخطط له، سواء باتفاق مع دولتي المصب أم لا. وفي نفس الوقت لم يجد المصريون سوى مناظر تنمي عن حاكمهم قهرا الذي كان في واد آخر وقت انعقاد مجلس الأمن، حيث خرج في زينته على دراجته.

وما وصل إليه مجلس الأمن لم يكن مستغربا، من خلال تأكيده على دعمه المفاوضات التي يقودها الاتحاد الأفريقي، فهو نفس ما ذكره قبل أيام من الاجتماع "نيكولاس دي ريفيير" المندوب الدائم لفرنسا لدى الأمم المتحدة من أن أقصى ما سيفعله المجلس هو حث الدول الثلاث على العودة لطاولة المفاوضات.

إن ما تتعرض له مصر هو أمر يرتبط بوجودها، وما زال في الشعب من يعيش في غيبوبة ولا يعي أن حياته وحياة أبنائه وأحفاده باتت في طريقها للهاوية.

لم يقل هيرودوت من فراغ إن مصر هبة النيل، كما أن التاريخ المصري يكشف أن حياة المصريين ارتبطت رخاء وشدة بارتفاع منسوب النيل وانخفاضه، وحتى الفراعنة نقشوا على جدران مقياس النيل بمعبد حورس في مركز إدفو عبارة تقول: "إذا انخفض منسوب النهر فليهرع كل جنود الملك ولا يعودوا إلا بعد تحرير النيل مما يقيد جريانه".

وها هو المؤرخ المصري أحمد بن على المقريزي الذي عاش في القرنين الثامن والتاسع الهجريين (766هـ-845هـ)، الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين، يسطر منذ ذلك التاريخ كتابا مهما يعكس الوضع في مصر من خلال منهجية علمية واضحة المعالم سماه "إغاثة الأمة بكشف الغمة"، كشف فيه عن أن ما عاش الناس فيه من بلاء مبين، وعذاب مهين، ومحن وغلاء، هو من سوء تدبير الزعماء والحكام وغفلتهم عن النظر في مصالح العباد.

وقد تتبع ما حل بمصر من أزمات اقتصادية منذ أقدم العصور إلى ما قبل طوفان نبي الله نوح عليه السلام، حتى وصل إلى أزمة مصر الاقتصادية في عهد نبي الله يوسف عليه السلام، ثم تطرق للأزمات في مصر منذ أن دخلها الإسلام، منذ أول أزمة حلت بها في سنة 87هـ في عهد واليها عبد الله بن عبد الملك بن مروان.

وقد عدد المقريزي نحو عشرين أزمة اقتصادية تفاوتت في شدتها في الفتك بالناس، وأرجع معظمها إلى قصور مياه النيل وعدم وفائه وانخفاض مستوى الفيضان، وهو ما نتج عنه سيادة الغلاء ونقص الأقوات، وانتشار الطاعون والأوبئة الفتاكة التي تفتك بحياة الناس وتحصدهم حصدا، لتغير الهواء وتلوثه مع انخفاض منسوب النيل.

وقد ذكر المقريزي ما حل بالسلوك البشري في تلك الأزمات من أكل لحوم القطط والكلاب، بل ولحوم البشر لعدم توافر احتياجاتهم من القوت وما تنبته الأرض.

وما ذكرته هنا هو ملخص يتناسب مع المقال لما ذكره المقريزي، ولكن كتابه مليء بتفصيلات عن تلك الأزمات.. فكيف كان سيسمى المقريزي كتابه إذا كان بيننا وشاهد بأم عينيه ضياع النيل، وما ينتج عن ذلك من هلاك للبشر والشجر، وتمكين الكيان الصهيوني من فرض شروطه بوصول ماء النيل إليه، فضلا عن بيع إثيوبيا لمائه؟!

إن الوضع جد خطير، وما زلنا نبحث في مصر عن رجل رشيد، فحتى قرار ضرب السد لن يجدي بعد الملء الثاني لما يترتب عليه من تدمير بالسودان الشقيق. ولو كان السيسي يريد ذلك لفعله والسد في مراحل إنشائه الأولى، ولكن التعمد في السكوت واضح وملموس، وليس أمام من بقي في قلبه ذرة حب لوطن إلا الاستيلاء على منطقة السد والتحكم فيه. وهذا في نظري لن يكون في وقتنا الحالي، فالجيوش إذا تركت مهمتها القتالية واشتغلت بالتجارة أهلكت البلاد والعباد.. لذا من أسباب عدم توزيع أراضي السواد في العراق والشام ومصر على جيش المسلمين في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - لئلا يركن الجنود للزراعة ويتركوا ميدان الجهاد ويتحقق فيهم قوله تعالى: "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" (البقرة: 195).. فالجيش الذي يتحول إلى تاجر ويذوق الترف لا يمكن أن يرفع سلاحا إلا في وجه أبنائه.. فإلى الله المشتكى، وليس لها من دون الله كاشفة.