نشر موقع "ذي إنترسيبت" تقريرا عن القائمة السوداء التي أعدتها شركة "فيسبوك" لـ "الأشخاص والمنظمات الخطيرة". وقال سام بيدل إن فيسبوك ولعدد من السنوات منعت مستخدمين من الحديث بحرية حول جماعات تقول إنها تحرض على العنف، وذلك في محاولة منها لدفع تهمة مساعدة الإرهابيين على نشر دعايتهم.

ويضيف أن هذه القيود تعود إلى عام 2012 عندما واجهت الشركة ضغوطا من الأمم المتحدة والكونجرس حول استخدام الإرهابيين المنصة لتجنيد أتباع لهم، وقامت والحالة هذه بإضافة حظر على "معايير مجتمع" الفيسبوك لـ "منظمات لها سجل في الإرهاب أو العنف الإجرامي"، وتم توسيع هذه القاعدة لتصبح اليوم سياسة "الأفراد والمنظمات الخطيرة"، وهي قيود على ما يمكن للمشتركين في المنصة وعددهم 3 مليارات شخص أن ينشروه أو يتحدثوا به عن قائمة تكبر يوما بعد يوم وتضم أشخاصا ومنظمات.

وتم استخدام هذه السياسة في الفترة الأخيرة بسرعة ضد أشخاص بمن فيهم رئيس الولايات المتحدة، وهي خطوة اكتسبت مظهرا قويا على الشبكة وأكدت للرأي العام أنها تبحث عن العنف وتلاحقه كلما ارتبط بفيسبوك، من الإبادة في ميانمار إلى الشغب في الكابيتول هيل.

وبعد سلسلة من التقارير في "وول ستريت جورنال" عن تسهيل الشبكة الضرر على الأطفال ونقلت عن مصدر داخل الشركة قولها إن الشبكة تقدم الربح على المصلحة، استشهد نائب مدير الشركة بالقائمة كدليل على السياسة المتشددة التي تمارسها ضد العنف، كما ورد في مذكرة حصلت عليها "نيويورك تايمز".

 وفي الوقت الذي حاولت فيه فيسبوك تحديد الحرية الشخصية باسم مكافحة الإرهاب، فإن سياسة "الأفراد والمنظمات الخطيرة" أصبحت نظاما غير متناسب بعيدا عن المحاسبة ويعاقب مجتمعات بعينها. وعليها 4.000 اسم شخص ومنظمة، بمن فيهم ساسة وكتاب وجمعيات خيرية ومستشفيات ومئات من الأعمال الموسيقية ورموز تاريخية ميتة. ودعا عدد من المحامين والخبراء القانونيين ودعاة الحقوق المدنية الشركة لنشر القائمة حتى يعرف المستخدم متى يتوقف وإن كان منشوره سيحذف أو يعلق بسبب ثنائه على واحد في القائمة.

ورفضت الشركة الدعوات متعللة بأن نشرها سيعرض حياة موظفيها للخطر ويسمح للجماعات والأفراد المحظورين البحث عن طرق للتحايل على السياسة. ولم تقدم شركة فيسبوك لموقع "ذي إنترسيبت" معلومات محددة عما يمكن أن يتعرض له الموظفون التابعون لها. ورغم الزعم بأن نشر القائمة سيعرض الموظفين للخطر إلا أن مجلس الرقابة فيها أوصى بنشرها، في أغسطس لأن المعلومات التي تحتويها هي في مصلحة الرأي العام. وقرر الموقع نشر الوثيقة بكاملها مع بعض التظليل لمواد فيها وكذا السياسة التي تحتوي على شروط وضع شخص أو طرف عليها.

وقالت فايزة باتل، المديرة المشاركة لمركز برينان لعدالة الحرية والأمن القومي "تضع فيسبوك المستخدمين في وضع مستحيل عندما تخبرهم أنهم لا يستطيعون نشر معلومات عن أفراد ومنظمات وترفض في الوقت نفسه نشرها”. وتكشف القائمة والسياسة المرتبطة بها عن مظاهر القلق بعد هجمات 9/11 كما وتجسد أولويات السياسة الخارجية الأمريكية. ومع أن السياسة قصد منها حماية مستخدمي المنصة وتنطبق على من يعيشون في خارج الولايات المتحدة، إلا أن كل شخص أو منظمة على القائمة اعتبر عدوا أو تهديدا على أمريكا وحلفائها. ونصف الذين وردت أسماؤهم اعتبروا إرهابيين أجانب. وتضع السياسة حظرا وإن كان غير واضح على الجماعات المتطرفة البيضاء أكثر من تلك الجماعات التي اعتبرت إرهابية ومعظمها من الشرق الأوسط وجنوب آسيا ومسلمة أو من اعتبروا متورطين في جرائم جنائية ومعظمهم من السود أو اللاتينو.

وتظهر السياسة أن فيسبوك تمارس "سياسة القبضة الحديدية" ضد بعض المجتمعات أكثر من غيرها، كما يقول أنجل دياز المحاضر في كلية القانون بجامعة كاليفورنيا لوس أنجلس.

وفي رد مكتوب قال مدير مكافحة الإرهاب والمنظمات الخطيرة في فيسبوك إن سبب عدم نشر القائمة هي أمنية ولمنع من وردت أسماؤهم من التحايل على السياسة و"لا نريد إرهابيين أو جماعات كراهية ولا منظمات جريمة على منصتنا. ولهذا نقوم بحظرهم وحذف كل التعليقات التي تمجدهم وتمثلهم أو تدعمهم".

وقال إن فريقا مكونا من 350 خبيرا في فيسبوك يركز اهتمامه على هذه المنظمات ويقيم تهديدها.

وأضاف أن المنصة تمنع آلاف المنظمات بمن فيها 250 منظمة من جماعات التفوق العرقي الأبيض. ويرى خبراء راجعوا المواد أن سياسة فيسبوك غامضة بطريقة غير مناسبة وعقابية تجاه المستخدمين إلا أنها تعبير عن مأزق الشركة، فبعد إبادة ميانمار وجدت الشركة نفسها وسط معضلة تتعلق بأنها مسهل للعنف. ومن هنا تمثل القائمة محاولة من الشركة للسيطرة بطريقة غير مسبوقة على الخطاب العالمي الذي تتحكم به.

 وتنقسم القائمة "سياسة فيسبوك للأفراد والمنظمات الخطيرة" إلى فئات: كراهية، جريمة، إرهاب، حركات اجتماعية مسلمة، فاعلي عنف من غير الدول. وتم وضع هذه الفئات في 3 أقسام بناء على القواعد التي وضعتها شركة فيسبوك بنهاية يونيو، وكل قسم يتعلق بالقيود على التعبير بناء على خطورته.

 وعندما يتعلق الأمر بالإرهاب والجريمة والتي تم تعريفهما بطريقة واسعة، إلا أن تطبيقهما من الناحية الدينية والعنصرية ضيق، مما يثير أسئلة حول الشركة وأنها تمارس تمييزا على حرية التعبير. وبعيدا عن التقسيم فلم يسمح لأي شخص أو جماعة على القائمة باستخدام المنصة. ولم يسمح للمستخدمين تقديم أنفسهم على أنهم أعضاء في هذه المنظمات. لكن التقسيم يحدد ما يجب على بقية المستخدمين قوله عن الأسماء المحظورة.

والقسم الأول هو الأكثر تشددا، فلا يسمح للمستخدم مثلا أن يقول أي شيء يمكن أن يفسر على أنه مدح أو دعم عن الجماعات والأفراد.

ويشمل هذا القسم فئات الكراهية والعنف والإرهاب. وتشمل فئة العنف في هذا القسم على منظمات وأفرادق أمريكيين سود ولاتينو. ونسبة 70% من الإرهابيين حسب تحديد القسم الأول على أفراد ومنظمات من الشرق الأوسط وجنوب آسيا. ومعظم الأسماء في فئة الإرهاب هي من الحكومة الأمريكية، وحوالي 1.000 اسم تشبه قائمة الإرهابيين الدوليين المصنفين بشكل خاص” وهي القائمة التي أعدتها الخزانة لفرض العقوبات على من فيها.

وفي معظم الأحيان فرقم هاتف وجواز الشخص الوارد اسمه على قائمة فيسبوك هو نفسه على قائمة الخزانة. واستندت الشركة على مصادر أخرى لبناء قائمتها مثل مجموعة أبحاث الإرهاب وتحليله واشتراكات خاصة في مواقع تتابع الإرهاب مثل "سايت" الذي قال عنه المدير السابق لوحدة أسامة بن لادن في سي آي إيه مايكل شوير، إنه اختار الترجمات الداعية للحرب للوثائق العربية “ترجمة الكلمة العربية يكون لها أربعة أو خمسة معان". وهناك ما يشير إلى أن فيسبوك تعاون مع منافسيه على إعداد القائمة، مثل جوجل مع أن الشركة نفت حدوث ذلك.

وهناك 500 جماعة كراهية على القائمة منها 250 من جماعات التفوق الأبيض، لكن فايزة باتل قالت إن الجماعات البيضاء المتطرفة عوملت بطريقة مخففة ووضعت في القسم الثالث. والقسم الثاني هو عن اللاعبين غير الدول ويضم جماعات متمردة منها جماعات شاركت في الحرب الأهلية السورية. ويمكن للمستخدمين الثناء على هذه الجماعات ولكن في النشاطات التي لا علاقة لها بالعنف. وقد لا يسمح لهم بإظهار دعم جوهري.

القسم الثالث هو للجماعات التي لا تدعو للعنف ولكنها تشارك في خطاب الكراهية، ويمكن للمستخدمين مناقشة نشاطات هذه الجماعة. ويضم الجماعات الاجتماعية ذات الميول الحربية، ومعظم الأسماء عليها جماعات متطرفة أمريكية وميليشيات معادية للحكومة. وعلقت باتل "يبدو أن القوائم خلقت نظامين متباينين، تم تخصيص أحدهما بعقوبات مشددة للمناطق والمجتمعات المسلمة".

وقالت إن الفرق بين القسم الأول والثالث يعطي صورة أن "فيسبوك مثل الحكومة الأمريكية تعتبر المسلمين الأكثر خطورة".

وبالمقارنة فقد تم حذف معظم جماعات الكراهية المصنفة حسب "مركز ساثرن بفرتي لو" معادية للمسلمين من القسم الأول. وتعتبر الجماعات المحلية المتطرفة خطرا قاتلا على المجتمع الأمريكي، ولكنها تحظى بدعم واسع من اليمين الأمريكي، وهذا يفسر التردد في وضعها مع الجماعات الإرهابية. ونفى متحدث باسم فيسبوك معاملة الشركة لجماعات التطرف الأبيض بشكل خاص نظرا لارتباطها بالسياسيين المحافظين في أمريكا. ولكن عدد الجماعات المتطرفة في أمريكا وأوروبا قليل مقارنة مع آلاف الأسماء خارج هاتين المنطقتين. ومع أن القائمة تشتمل على قادة في تنظيم الدولة والقاعدة الذين يمثلون خطرا، فإنه من الصعب الجدال بأن بعض الأسماء تمثل تهديدا لأي شخص.

ولأن قائمة الشركة هي تقليد واضح لقائمة الحكومة الأمريكية، فسياسة الشركة تشتمل على أسماء مثل شركة تصنيع التراكتورات الإيرانية ومنظمة الإغاثة والتنمية الفلسطينية ومقرها في بريطانيا، وكلاهما وضعا ضمن الجماعات الإرهابية إلى جانب حركة الشباب الصومالية، قسم 1 مع أن أيا منهما لا يشكل خطرا على حرية التعبير. وتقول جيليان يورك، مدير حرية التعبير الدولية في "الكترونيك فرونتير فاونديشن": "عندما تقوم منصة عالمية بتبني سياسات الولايات المتحدة وهي قوة مهيمنة على معظم العالم، بما فيها أجزاء من العالم العربي والإسلامي خلال العشرين عاما الماضية، فهي تقوم بخلق القوة تلك وتحرم الجماعات الضعيفة من الوسيلة".

وتضم القائمة الواسعة أسماء أشخاص ماتوا مثل الجندي الطفل من كشمير مدثر رشيد باراي وأكثر من 200 عمل موسيقي ومحطة تلفزيونية وألعاب فيديو وجامعة طبية إيرانية تعمل في مكافحة كوفيد-19، وشخصيات تاريخية لم تعد على قيد الحياة مثل جوزيف غوبلز وبينتو موسوليني. وتعتبر منطقة الشرق الأوسط أكبر منطقة تعاني من قمع حرية التعبير. فقد أدى تطبيق القائمة إلى نتائج مثيرة للدهشة رغم مزاعم الشركة عن “حرية التعبير” كمبدأ جوهري. ففي عام 2019 منعت الشركة بناء على سياسة قائمة الأفراد والمنظمات الخطيرة، منعت ندوة علمية جامعية شاركت فيها ليلى خالد التي اختطفت في الستينات طائرتين لم يتضرر أي من المسافرين عليهما. وعمرها 77 عاما اليوم لكن اسمها على قائمة الإرهاب التي حصل عليها الموقع.

وتحرك مجلس الرقابة لعكس قرار حذف منشور تساءل عن سجن عبد الله أوجلان، الزعيم الكردي، الموجود اسمه على القائمة، وساعدت الولايات المتحدة تركيا على إلقاء القبض عليه عام 1999. وفي يوليو نشرت الصحفية ليلى خالق صورة على إنستجرام عن لافتة تحمل صورة قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس أمام مطار بغداد الدولي. وقتل سليماني والمهندس في غارة أمريكية العام الماضي، وكلاهما على قائمة فيسبوك. وتم حذف المنشور لخرقه ما قالت الشركة "قائمة الأفراد والمنظمات الخطيرة".

وقالت خالق في تصريح للموقع إن هدفها من نشر الصورة هو إظهار المحيط و"حقيقة تعليق الصورة في المطار تظهر قبولا للشخصين القتيلين من المؤسسة الرسمية العراقية".

وفي الفترة الأخيرة تصادمت شركة فيسبوك مع طالبان عندما حظرت وجودها على الفيسبوك مما يحرم كل القيادة من منصة عامة وكل البلد من التعبير عما يشعرون تجاهها. وتصرفت الشركة بقوة عندما منعت عددا من الفلسطينيين التعبير عما يجري من أحداث في الأقصى مايو، لأن الشركة خلطت بين المسجد ومنظمة أخرى بنفس الاسم، حسب مذكرة حصل عليها موقع بازفيد. وفي الشهر الماضي حظرت فيسبوك مستخدما مصريا نشر مقالا نشرته الجزيرة عن كتائب القسام. ولا تظهر الكتائب على قائمة الأفراد والمنظمات الخطيرة.