وتستمر سلسلة التساقط التي تتسبب في الحركة مثل : 

2- عدم وضع الفرد في المكان المناسب: وهذه المشكلة تؤدى باستمرار إلى فشل العمل وخسارة العاملين..

والحركة الواعية الناضجة هي الحركة التي تعرف قدرات أفرادها، وميولهم، ومواهبهم، وتعرف نقاط القوة والضعف عندهم، ومن خلال ذلك تختار لكل فرد ما يناسبه، ويتناسب مع قدراته وميوله وطبيعته ومستواه..

فإذا كانت الحركة على غير معرفة دقيقة بمعطيات أفرادها فلن تنجح في اختيار الموقع المناسبة لهم .

وإن كانت الحركة لا تعرف ما يحتاجه كل موقع من مواقع العمل فإنها لن تتمكن من ملئه بشكل سليم وحسن..

وإن تحكمت في عملية الاختيار هذه غير الاعتبارات الموضوعية اختل التوازن في عموم المعادلة .

فمثلاً.. حين تتخذ حركة ما قراراً بخوض معركة انتخابية قبل أن تهيئ لها أكفاءها والمؤهلين لتمثيل أفكارها فيها فإنها ستضطر حتماً إلى تقديم كفاءات ليست في المستوى وستكون خاسرة بدون أدنى شك..

وحين تضطر حركة ما تحت ضغط الاتساع الأفقي لرقعة عملها إلى تقليد عناصر غير مؤهلة مسئوليات القيادة فإنها تكون بذلك قد سلكت طريقاً غير سوى يمكن أن يضر بالقاعدة وبمن انتدب لقيادتها معاً ..

وحين لا يخضع العمل لقواعد وأصول مدروسة ولا يقوم وَفق مخططات ومناهج موضوعية، وحين لا يعرف ما ينبغي عمله اليوم، وما يجب تأجيله إلى الغد، وحين لا يفرق بين ما هو مهم وبين ما هو أهم ولا ترتب الأعمال وفق الأولويات .. عندئذ يحدث الخلل وتضطر الحركة إلى ملء الشواغر والفراغات بأسماء وليس بأكفاء فيوسد الأمر لغير أهله وإذا وسد الأمر في الحركة لغير أهله فانتظر ساعتها ..

إن على الحركة أن تصنف طاقات عناصرها بحسب اختصاصاتهم ونجاحاتهم ...

ففريق يفرز للشئون التربوية ..

وفريق يفرز للشئون السياسية ..

وفريق يفرز للشئون المالية والاقتصادية ..

وفريق للشئون الرياضية ..

وهكذا في كافة الشئون الأخرى ..

ثم إن عليها أن تحدد خطواتها وفق القدرات التي تجمعت عندها في كل جانب .. فإن هي فعلت غير ذلك سيفلت الزمام من يدها وستفقد القدرة على التحكم في سيرها واختيار الشخص المناسب للجانب المناسب في عملها وعندئذ سيكون حالها كحال مركبة تعطل مقودها فهي تسير إلى المجهول

أعرف إنساناً اختير لعضوية (مجمع ) وهو لما يصبح أهلاً لهذا المكان بعد.. وعندما انكشف واقعه، واستبان خطأ اختياره، وتكررت إساءاته، وبات لزاماً على قيادته معالجة أمره واستبداله بغيره لم يكن منه إلا أن قدم استقالته وترك العمل إلى غير رجعة .

وأعرف آخر اختير لمنصب إداري عام بالرغم مما يشتكى منه من غلظة وقسوة واستعلاء ما جعله موضع نقد من الناس كما جعل المؤسسة التي يديرها مرتعاً للمشاكل والأزمات .. وعما اضطرت المؤسسة إلى الاستغناء عن خدماته انقلب عدواً لها وحرباً عليها مستخدماً منابر المساجد للتشهير بها والنيل منها .. وإمعاناً منه في التحدي والنكاية عمد إلى إنشاء مؤسسة أخرى شبيهة بها سامحة الله وعفا عنه ...

وأعرف آخر اختير لمسئولية تربوية قبل أن تكتمل تربيته وتستقيم أخلاقه.. والذي رشحه لذلك قدرته الخطابية والفكرية ليس إلا .. وعندما تسبب بأخطاء ووقع بانحرافات يصعب وصفها، ولا يصح ذكرها وقعت المأساة التي ذهبت به وبمن كنوا معه وسقطوا من حياة الدعوة بالكلية .

في أحد الأقطار خاضت الحركة الإسلامية الانتخابات النيابية وفاز فيمن فاز شيخ معمم ما كان له أن يفوز لو لا دعم الحركة له وخوضه المعركة باسمها .. وعندما أصبح هذا الشيخ في البرلمان أعجبه المكان، وطاب له الحكم والسلطان فقلب للحركة ظهر المجن ووقف منها مواقف لؤم متناهية؛ ما أدركت الحركة أنها أخطأت الاختيار وكان الأولى أن تتريث حتى يتهيأ لها الثقاة الأخيار ..

وفي قطر آخر تعجلت حركة إسلامية الخطى ووسعت خطواتها أكثر من اللازم ودفعت ببعض عناصرها إلى منابر الوعظ والتوجيه وإرشاد الناس قبل الأوان مستعينة على ذلك بمجموعة من (العمائم واللحى) ولقد قصمت بذلك ظهورهم، وظنوا أنهم بارتدائهم زي العلماء قد أصبحوا كذلك والمجتمع من حولهم ظنهم كذلك؛ فأنزلهم منازل العلماء فأخذهم العجب بأنفسهم والخيلاء وتساقطوا الواحد تلو الآخر وتسببوا لدعوتهم بالبلاء .

إن عملية اختيار المكان المناسب للفرد عملية يجب أن تخضع لدراسة دقيقة وعميقة بعيداً عن التشنج والعاطفية والاستعجال ...

لابد أن تحدد الحركة أولاً طبيعة المرحلة التي تمر بها وما تحتاجه هذه المرحلة من قدرات وطاقات .

وينبغي أن تتوفر الطاقات للحركة قبل المباشرة بالمرحلة ودخولها لأنها إن هي بدأت بالتنفيذ قبل اكتمال العدة فإنما حتماً ستضطر إلى الاستعانة بأية طاقة صالحة كانت أم غير صالحة مكتملة كانت أم غير مكتملة ومن هنا يبدأ الخلل ويتعاظم مما يتهدد العاملين والعمل بأفدح العواقب ..

3- عدم توظيف كل الأفراد في العمل: وهذه الظاهرة من أخطر الظواهر على الحركات حيث يتراكم العمل بيد فئة محدودة في حين تبقى الفئة الأكبر من غير عمل .. ومع الأيام وتقلب القلوب والعقول وشعور الفرد بعدم الإنتاج بسبب ضعف ارتباطه العضوي بالحركة وتجاه الجواذب والمشاغل والمغريات المختلفة تنكفئ في أعماقه البواعث والدوافع الرسالية والجهادية إلى أن يختفي عن المسرح ويسقط في لجة المجتمع ومتاهاته أو تشده يد إلى هذا الطريق أو ذاك ..

إن نجاح الحركة في توظيف طاقات أعضائها هو بداية النجاح واطراده .. والحركة الإسلامية قد تكون الأغنى بما تمتلك من طاقات لكنها في الحقيقة غير موظفة كلها والموظف منها موظف جزئياً أو بشكل شئ ..

فالحركة التي تمتلك طاقات متعددة متنوعة يجب أن تضع من البرامج والمشاريع ما يتناسب ويتكافأ مع كل توجه وتخصص ...

والحركة يجب أن تكتشف ميول أعضائها وتوجههم من خلال ميولهم بما يصب في المصالح الإسلامية التي تحددها وترسمها ..

وكل فرد في الحركة يجب أن يشعر أنه على مسئولية وموقع وأنه عضو منتج ومتفاعل.. كائناً ما كانت مهنته أو مستواه.. والتوظيف الصحيح للطاقات هو التوظيف الذي لا يفرط بأية طاقة صغيرة كانت أم كبيرة كاللبنات أو الحجارة وشكلاً .. فإذا بالبناء قد اكتمل من لبنات متفاوتة الأشكال والأحجام ولكنها متراصة منسجمة ومتناسقة .

في بعض الأقطار يكون توظيف الحركة لطاقات أفرداها في سنوات التلمذة ومرحلة الشباب؛ حتى إذا استدار الزمان وانتقل الفرد من طور التلمذة إلى طور العمل، ومن مرحلة الشباب إلى مرحلة الرجولة، فغدا رب عائلة، أو صاحب مركز اجتماعي مرموق تبدأ العلاقة بالفتور بينه وبين الحركة؛ بسبب من انشغالاته هو وبسبب من عدم توفير الحركة لمجالات العمل التي تتناسب ووضعه المستجد . وقد ينتهي الأمر إلى القطيعة التي يسببها عقم الحركة وإخفاقها في توظيف إمكاناته التوظيف السليم وإذا به خارج إطارها لا تربطه بها إلا ذكريات تاريخية قديمة ..

4- عدم متابعة الأفراد : ومن العوامل التي تساعد على تساقط الأفراد من الحركة عدم متابعتها لهم واهتمامها بالظروف الخاصة والعامة ذات الأثر عليهم .

فالأفراد كسائر الناس تمر بهم ظروف صعبة ويتعرضون لأزمات ومشكلات مختلفة منها العاطفي والنفسي ومنها العائلي والمالي إلى غير ذلك فإن وجد من يعينهم ويساعدهم على مواجهتها ومعالجتها وحلها تجاوزوها بسلام وامتلأت نفوسهم ثقة بحركتهم وتابعوا المسيرة بمزيد من الحماس والعطاء .. وإن حصل عكس ذلك فإنهم سيصابون حتماً بخيبة أمل ثم بإحباطات نفسية تقذفهم خارج إطار الحركة بل خارج إطار الإسلام ..

وحتى تتمكن الحركة من متابعة أفرادها يتعين عليها تحقيق التوازن بين الاتساع الأفقي والتجميع العددي وبين تهيئة الأجهزة القيادية والبدائل بحيث تبقى الإمكانات القيادية في كل الظروف قادرة على استيعاب القاعدة وتأمين احتياجاتها المتنامية على كل صعيد .

إن العلاقة التي يفرضها الإسلام على الجسم الإسلامي والبيئة الإسلامية والمجموعة المسلمة تصنع من انصهارها الفكري والروحي والحسي أشبه بالجسد الواحد الذي يصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى )).

وعضو الحركة يجب أن يشعر بهذا الانصهار وهذه الوحدة مع حركته وإخوانه ... هذا الشعور لا ينشأ من فراغ، وإنما ينشا من خلال الممارسة التي تؤكد دائماً وباستمرار على حقيقة هذا الانصهار والتلاحم ينشأ من خلال التكافل والتضامن النفسي والحسي المعنوي والمادي ومن خلال السهر الدائب والمتابعة المستمرة ..

أذكر أنه في أعقاب هزيمة عام 1948 م قامت ردات فعل مختلفة في المنطقة العربية كان منها ولادة حركة إسلامية في إحدى العواصم استقطبت في عام واحد عشرات الآلاف من الشباب المسلم .. وبسبب من عدم توفر إمكانات المتابعة والتعهد لدى هذه الحركة الوليدة تعرضت للتفسخ، وتعرض أفرادها للتساقط بشكل جماعي ومأسوي ..

والمتابعة يمكن أن تقوم في الحركة من جانبين اثنين كجانب التنظيم نفسه من خلال الأجهزة، وجانب الأخوة من خلال الأفراد وتعاون الجانبين وتآزرهما من شأنه أن يسد الحاجة ويكمل العجز ويراب أي صدع .. وهذا في الحقيقة سمت المجتمع الإسلامي الذي يقوم على تعاون الدولة والأفراد في المجالات الرعائية والإنمائية والتكافلية وما المبادرة الرعائية الجماعية التي قام بها الأنصار تجاه إخوانهم المهاجرين إلا دليلاً عملياً على ذلك ..

إن وحشة الغربة وقسوة الظروف وضراوة التحدي التي يواجهها الداعية لا يخفف منها ويزيلها إلا صدق التوجه إلى الله والاحتساب له والشعور بالحدب الأخوي من حوله والحركة الإسلامية حين تتمكن من إشاعة روح الأخوة وتوثيق العرى على الحب في الله فإنها حتماً ستوفر على نفسها وعلى أفرادها كثيراً من المشكلات والأزمات.

وللحديث بقية – منقول بتصرف من كتاب – المتساقطون على الطريق  كيف .... ولماذا ؟ - للأستاذ فتحي يكن رحمه الله