أولاً : الفقه في دين الله

إن الأخ المسلم كيما يكون داعية إلى الله بحق، مستقيماً على الصراط، راشداً، مسترشداً، يحتاج أولاً وقبل كل شئ إلى قدر مقبول من الفقه في دين الله ..

فاستبانة الحلال من الحرام، والخير من الشر، ومعرفة الفرائض والواجبات والسنن، والعقائد والأحكام ـ وهي المنارات الهادية على طريق الدعوة والداعيةـ تحتاج كلها إلى فقه في الإسلام ..

من هنا جاءت التوجيهات القرآنية والنبوية تلفتنا إلى قيمة الفقه، وتحضان عليه .

فمن كتاب الله قوله تعالى: { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } وقوله { ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدى إلى صراط العزيز الحميد }وقوله { ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون }

ومن مشكاة النبوة قوله صلى الله عليه وسلم: (( يا أيها الناس : إنما العلم بالتعلم والفقه بالتفقه ومن يرد لله به خيراً يفقهه في الدين وإنما يخشى الله من عباده العلماء )) وقوله: ((إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين وألهمه رشده )) وقوله (( إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم يهتدي بها في ظلمات البر والبحر فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة )) .

ثم هل يمكن أن يكون الداعية داعية إلى الله بصدق كان جاهلاً لمبادئ الإسلام وأصوله وقواعده وأحكامه وتشريعاته وحلاله وحرامه ؟

إن اجتذاب الناس إلى الإسلام أولاً هو الأساس، وهو الطريق الصحيح حيث يجعلهم مسلمين مرتبطين بالإسلام، متشبثين به كائناً ما كانت الظروف في حين أن اجتذابهم إلى الحركة أولاً سيجعل ولاءهم للتنظيم وللحركة وليس لشرع الله .

ولقد ابتلى الإسلام اليوم بدعاة يدعون الناس إلى تنظيماتهم بدل أن يدعوهم إلى الإسلام . ويبينون لهم محاسن تنظيماتهم ومزاياها بدل أن يبينوا محاسن الإسلام ومزاياه، وهذا ما جعل ارتباط الفرد بالدعوة ارتباطاً حزبياً، وليس ارتباطاً عقائدياً، بل وجعله في بعض الأحيان ارتباطاً شخصياً، وليس مبدئياً وهذا بالتالي جعل ميدان الدعوة الإسلامية غاصاً بالتنظيمات والأحزاب والفرق والحركات .

إن معظم ذلك مرده إلى جهل بحقيقة هذا الدين، وبالتالي إلى عدم الالتزام بأحكامه وقواعده .. والنتيجة كما نرى وكما أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (( إن الله لا ينتزع العلم انتزاعاً ولكن ينتزعه بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم قط اتخذ الناس رءوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا )) وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول ((قليل العلم خير من كثير العبادة وكفى بالمرء فقهاً إذا عبد الله، وكفي بالمرء جهلاً إذا أعجب برأيه )).           

إن الداعية معرض لأن يستفتى ويسأل عن أمور كثيرة فهل يفتى ويجيب برأيه أم بالإسلام ؟ فإن كان جاهلاً بدين الله فهل تنعقد له الإمامة على المسلمين ويكون له الأثر فيهم ؟

ثم إنه قبل هذا هل يمكن أن يكون قدوة للناس بعمله إن لم يكن على علم بشريعة الإسلام .. وهل يكون العمل بالشريعة من غير علم للشريعة ..؟

إن الفقه في دين الله والمعرفة العامة تمكنان الداعية من مخاطبة الناس على قدر عقولهم بعد معرفته لعقولهم ومن ملامسة قلوبهم بعد معرفة ما يخالجها وما يساورها ..

والداعية الذي لا يملك من المفاتيح ما يفتح به العقول والقلوب لن يتمكن من اجتذاب أصحابها واستيعابهم وستبقى دعوته لهم صيحة في واد ونفخة في رماد ...

ومن الفقه في دين الله التزود بالثقافات والمعارف المختلفة والتي من شأنها أن تساعد الداعية على اجتذاب كل الناس على مختلف ثقافاتهم وميولهم، وبخاصة في عصر تعددت فيه الاتجاهات وكثرت الفلسفات وغدا التأثير في الناس واجتذابهم ليس بالأمر السهل بل ويحول دونه مائة سؤال وألف شبهة وشبهة مصداقاً لقوله تعالى { أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكن يراها ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور }.

أعرف بعض الدعاة ممن يعلمون في المجالات السياسية والعامة وهم مقطوعو الصلة تماماً بالثقافة والفكر الإسلاميين، وليسوا على شيء من الفقه في دين الله؛ فهل يمكن أن نتصور كيف أن يسلكوا بعملهم السياسي الصراط السوي وأن يصب عملهم هذا في خدمة الإسلام ولمصلحته؟؟

ثم إن عملية إقناع الناس بالإسلام واجتذابهم إليه واستنفاذهم من براثن الأفكار والتصورات التي يحملونها كما عملية اقتحام عقولهم ونفوسهم وحل مشاكلهم العقلية والنفسية تحتاج كلها إلى ثقافة وخبرة ومهارة ... والداعية بحاجة ماسة إلى نصيب كبير منها جميعاً في عملية الدعوة والاستيعاب ...

إن اقتحام العقول والنفوس أصعب بكثير من اقتحام المواقع والثغور، وإذا كانت تلك تحتاج إلى معدات مختلفة ومهارات فائقة وخبرات واسعة فإن هذه تحتاج إلى أكثر في كل المجالات ..

في الحرب يواجه الجندي عدواً واحداً في مواقع محددة وبأسلحة محددة .. أما في عمل الدعوة فيواجه الداعية أنواعاً شتى من الخصوم والأعداء بأسلحة شتى وأساليب شتى كما يواجه مرضى بعلل شتى ومعقدين من مشكلات شتى ..

فهذا ماركسي.. وذاك قومي، وغيره هيبي، أو اشتراكي، أو رأسمالي، أو علماني، إلى ما لا نهاية له من الانتماءات الأخرى ..

وهذا عالم مغرور بعلمه .. وذاك جاهل يجهل أنه جاهل .. والآخر غبي أو ذكى .. الخ .

وهذا مريض نفسياً .. وغيره مريض جنسياً .. وسواه مريض عاطفياً .. وآخر مريض عصبياً الخ .

وهذا غنيّ أبطره غناه، والآخر فقير سحقه فقره، أو جعله حاقداً على الناس جميعاً، وغيره زاهد في الدنيا متخل عنها لأعداء الله .

وهذا عائلي النزعة .. وسواه عرقي الطلعة .. والآخر عشائري الشرعة ..

وهذا جرئ إلى حد التهور .. وسواه جبان .. وما بينهما من الطباع أشكال وألوان ..

وهكذا يجد الداعية نفسه في مستشفي كبير تغص بالمرضى والمعاقين والمشوهين والمعقدين .. وهذا ميدانه، وهذه مسئوليته وقدره . وهو يحتاج أول ما يحتاج لسلوك هذا الطريق بعد الإيمان بالله والثقة به والاتكال عليه إلى قدر من العلم والثقافة والدراية والفكر والخبرة والاطلاع؛ لأنها جميعاً تعينه على ملامسة الداء بالدواء اللازم ومواجهة المشكلة بالحل الحاسم وبغير ذلك سيخبط خبط عشواء ويزيد بلة والمشكلة تعقيداً ولا حول ولا قوة إلا بالله ..

 

منقول بتصرف من كتاب – الاستيعاب في حياة الدعوة والداعية – للأستاذ فتحي يكن رحمه الله .