حول خطوات العمل ووسائله :

    إن مثل هذا الهدف العظيم الذي نعمل له ونسعى لتحقيقه لا يمكن أن يتحقق هكذا ارتجاليا بدون خطة مرسومة، وأهداف مرحلية محددة، ووسائل متفق عليها؛ ولهذا نجد الإمام الشهيد حسن البنا حرص على تحديد كل ذلك في أحاديثه وكتاباته وممارسته العملية فترة حياته، وهو ما نواصل السير عليه بتوفيق من الله وعون من بعده . وقد استرشد الإمام البنا في ذلك كله بسيرة قدوتنا رسول الله صلي الله عليه وسلم وكيف سار بالدعوة حتى أقام الدولة الإسلامية الأولي ، وكان الإمام البنا دقيقًا غاية الدقة في اقتفاء خطى رسول الله صلي الله عليه وسلم في هذا المجال؛ ولهذا السبب نجد أن الأيام والأحداث تؤكد أصالة هذا الطريق وسلامة السير واعتدال الخطوات، وتزداد الثقة بأنه موصل بإذن الله إلى تحقيق ما نهدف إليه .

    لقد عرف الإمام البنا أن ضعف الإيمان في نفوس المسلمين قد أوصل إلى هذه الحال من الضياع والفرقة بين المسلمين، وأوصل إلى ترك الجهاد، وإلى الذلة والهوان؛ فكان لابد من التركيز علي بعث الإيمان وإرساء العقيدة؛ ليتخرج رجال عقيدة أقوياء الإيمان، ثم لابد من تقوية روابط الحب والأخوة الإسلامية التي هي أقوى الروابط، والعمل على إزالة أسباب الفرقة والخلاف. ثم ضرورة بعث روح الجهاد والحث على الاستعداد بقوة الساعد والسلاح استجابة لأمر الله( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة )  فقوة العقيدة، وقوة الوحدة وقوة الساعد والسلاح من ألزم الأسس التي يقوم بها البناء، ويدور عليها العمل، وبهذا الترتيب . ونرى الإمام البنا ذكر بعد ذلك أن الوسائل العامة هي :

    الإيمان العميق .

    والتكوين الدقيق .

    والعمل المتواصل .

    كما ذكر أن المراحل الأساسية هي :

    التعريف بنشر الدعوة .

    والتكوين بتربية الأفراد وإعدادهم .

    ثم مرحلة التنفيذ والقيام بمتطلبات العمل .

    كما فصل مراتب العمل وخطواته من حيث إعداد الفرد المسلم النموذج .

    وكذا البيت المسلم القدوة .

    والمجتمع المسلم المتجاوب .

    فالحكومة المسلمة علي أن يتم ذلك علي مستوى شعوبنا الإسلامية .

    ثم تتحد هذه الحكومات لتكوَّن الدولة الإسلامية، وعلى رأسها الخلافة الإسلامية وأستاذية العالم بإذن الله . وقد فصل مواصفات للفرد المسلم والبيت المسلم والمجتمع المسلم والحكومة المسلمة وهكذا . كما وضع رضي الله عنه الوسائل المختلفة لتحقيق كل ذلك ، فكانت الدروس والمحاضرات والندوات والنشرات والرسائل والصحف والمجلات، وكانت الأسرة والكتيبة والرحلة والمعسكر والجوالة والأندية الرياضية، وكانت المدارس والمستشفيات والمؤسسات الاقتصادية والإعلامية والاجتماعية وغيرها .

    إن التزام هذا الطريق وهذه الخطوات في العمل وتلك الوسائل من ألزم الأمور لضمان تحقيق الأهداف، وإن الانحراف عن ذلك له أخطر النتائج، ويباعد عن الوصول للأهداف، وكما أن أي بناء إذا حدث خطأ أو خلل في أي مرحلة من مراحل البناء يُعرضه إلى الانهيار، كذلك الانحراف في خطوات العمل ومراحله .

  صور الانحراف عن العمل :

    وسنعرض فيما يلي بعض صور الانحراف في مجال خطوات العمل ووسائله لنتجنب ذلك أثناء سيرنا :

  1 – نهج أسلوب الأحزاب السياسية :

    من صور الانحراف أن ننهج أسلوب الأحزاب السياسية، ونعني بذلك تغليب عنصر السياسة في أسلوب العمل بحيث يطغى علي غيره كالتربية ونشر الدعوة والجهاد . أو أن نهتم بالكم لا بالكيف على طريقة الأحزاب السياسية بهدف نيل أكبر عدد من الأصوات في الانتخابات، أو أكبر عدد في المظاهرات ونحوها . وهذا لا شك انحراف خطيرة في الأساس الذي يقوم عليه البناء؛ فليس القصد كسب من يعطينا صوته في انتخابات، ولكن الأصل أننا نريد من يعطينا نفسه وماله في سبيل الله . نريد من يصبرون، ويضحون، ويثبتون، ويتحملون أعباء الدعوة والعمل، ويقدرون المسئولية وعظمها، والأمانة وثقلها، نريد طلاب آخرة لا طلاب حكم ومناصب دنيوية كما هو الحال في الأحزاب السياسية، نريد من يقومون بأمانات الحكم الإسلامي بكل ورعه وزهده والالتزام به، لا هؤلاء الذين تغيرهم كراسي الحكم وينسون ما كانوا ينادون به ويرفعونه من شعارات .

    لا نريد من العاملين في حقل الدعوة أن يسيطر عليهم استشراف الحكم لذات الحكم وما يرتبه من سلطات ومغانم، وما يمكن أن يحدث من تجاوزات غير مشروعة في سبيل ذلك وإنما نريد أن يسيطر عليهم أننا نعمل لإقامة دين الله في الأرض ، وما يستتبعه ذلك من التزام للشرع وبعد عن الأساليب غير المشروعة . ولا يعني ذلك أننا نرفض السياسة أو نلغيها من حسابنا، ولكننا نعلم دورها وأهميتها ولكن نعطيها قدرها المناسب دون طغيان علي غيرها من النشاطات ، ونسلك بها سبيل المؤمنين الملتزمين بتعاليم دينهم ، مع تقدير متطلبات الحكم والإعداد له بالدراسات والكفاءات .

 

منقول بتصرف من كتاب "طريق الدعوة بين الأصالة والانحراف" للأستاذ مصطفى مشهور  رحمه الله .