لا ينبغي للمسلم أن يقف عند العبادات ولا يتجاوزها، فمع أنها من الأهمية بالدرجة العظمى إلا أنها ليست كل شيء, بل أصبح العابد الذي يقتصر على العبادة ويظن أن الله لم يكلفه غيرها أقرب إلى الإضرار بالدين بما يكون من سوء فعله في فتنة الناس عنه فالتاجر الذي لا يكاد يفرغ من غش الناس حتى يتجه إلى المسجد لأداء الفريضة , والموظف الذي يشعر بالاطمئنان لأنه يؤدي واجبه كاملا ثم يأخذ في أثناء خروجه قلم رصاص أو بعض الأوراق التي تصرف له لأداء أعمال الحكومة أو الشركة أو المصنع الذي هو فيه ليستخدمها ابنه أو يستخدمها هو في شئونه الخاصة، والوالد الذي يهمل أولاده ولا يبذل كل عناية في تربيتهم، والزوج الذي يظلم زوجته أو والدته، والطبيب الذي يرى الداء ويعرف الدواء، ولكنه يؤخر أسباب الشفاء حتى يستكثر من زيارة المريض، والمدرس الذي يقصر في حق تلاميذه رغبة عن إفادتهم حتى يلزمهم بتلقي دروس خصوصية، هؤلاء وغيرهم بعيدون عن الإسلام الصحيح كل البعد، ويصدون الناس عن الدين، ويوحون إليهم بأن الدين لا يجدي في تربية النفوس، ولا يقيم المتدينين على منهاج من الأخلاق، وليس الذنب في ذلك ذنب الدين، وإنما هو ذنب الذين لا يفهمون الدين على حقيقته، ويجعلونه هيكلا عظيما لا روح فيه ولا لحم ولا دم،  وهم يحسبون أنهم بما أدوا من صلوات أو صوم أو حج يحسنون صنعا .

إن في العبادات أسرارا قد نعلمها , ويجب أن نتلقاها أمرا من الله مفروضا علينا، ومع ذلك فلنا أن نفكر فيها، ونستكشف خباياها . ومن أسرار العبادات أنها تهيئ النفس إلى احتمال المشقات والتكاليف التي كلف الله بها عباده , تخفف من ثقلها على الطبائع . اقرءوا قوله تعالى لنبيه : " يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا  نصفه أو انقص منه قليلا  أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا  إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا " . فعلاقة العبادة بتحمل التكاليف ظاهرة في هذه الآيات . .. .

وما لم تؤد العبادات إلى هذه النتيجة كان أداؤها غير محقق للأغراض التي قصدت منها . ومن الأغراض المقصودة – والله أعلم – أن يكون الإنسان على خلق , فإن الأخلاق الفاضلة من أصعب الأمور ما لم تهيأ لها النفوس تماما، ولو كان الأمر على خلاف ذلك لم يكن لذي الخلق فضل على غيره، إذ اليسير من الأمر من الممكن إدراكه لكل إنسان .

ومن الأخلاق التي يرضى الله عنها أن يكون المسلم عزيزا؛ فلا يذل لأحد ولا يقبل ضيما، ولا يعتقد أن أحدا يستطيع أن يصله بشيء لم يأذن الله به، ولا يحرمه شيئا أراده الله له , وصدق الله العظيم " ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين " , " ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين , وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم " . . .

وهو مع عزته لين العريكة , موطأ الأكناف، من الذين يألفون ويؤلفون، متواضع في غير ضعف، مترفع في غير عنف، ويقول دائما: " ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ". وينبغي أن يكون المرء صادقا؛ فالصدق من الصفات التي عدها الله من موجبات ذكر الأنبياء فقال تعالى " واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد " .

وأمرنا الله تعالى بأن نكون من الصادقين فقال: " اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " . والصدق يكون في القول، ويكون في الفعل، فإذا وعدت إنسانا فيجب أن تكون صادقا في ما وعدت، قاصدا الوفاء عاملا له، ولا يصح أن يكون الوعد بقصد التخلف من موقف أو دفع إلحاح، أو إرضاء لخاطر أحد من الناس، وإذا تحدثت بشيء فلا تتحدث بما يتنافى مع الحقيقة التي تعلمها وتعتقدها . وإذا استنصحك أحد فاصدق في نصحه، ولا تجعل نصحك مشوبا بالهوى أو الغرض وإلا كنت غاشا مخادعا .

وإذا عملت فعلا فكن صادقا العزم على القيام به على وجهه الصحيح وموفيا حق طالبه، صادقا في ما تطلب من حقك، حدثت بحديث في شأن صدق الوعد واعتباره قيدا لا ينفك عنه الإنسان لا بأس من أن أسوقه للدلالة على ما تنطوي عليه النفوس الكبيرة من الخير؛ ذلك أن أحد رؤساء الوزارة في التاريخ الحديث – ولم يكن مشهورا بالتدين – باع قدرا من الأطيان لشخص ما، ووعده بالتوقيع على العقد يعد أن يهيأ . وفي هذه الأثناء جاءه شخص آخر يريد شراء هذه الأطيان فأخبره بأنه باعها لفلان؛ فعرض عليه ثمنا يزيد نحو عشرين ألفا من الجنيهات وقال له إنك لم توقع العقد؛ فقال: إن كلامي عقد فاذهب إلى المشتري، وادفع له الفرق واتفق معه وأنا أمضي العقد لأيكما . . .

وكانت هذه الحادثة مدار مقارنة بين هذا الذي لم يشتهر عنه الدين وبين بعض المتدينين أو العلماء الذين يفرض فيهم الاستفادة من التدين .

ومن الصفات العظيمة التي يفتقدها الإنسان في الناس الأمانة .

" إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها "

" إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا " ، ومن أقوال الرسول عليه السلام : أربع من كن فيه كان منافقا، وذكر منها : إذا اؤتمن خان .

وليست الأمانة قاصرة على شيء فكما يكون الإنسان أمينا على المال يكون أمينا على كل شيء كلف بواجب نحوه؛ فالزوج أمين على زوجته، والوالد أمين على عياله، والطبيب أمين على المريض، والمدرس أمين على تلاميذه، وأنت أمين على العلم الذي بين جبينك وهكذا . . .

إن هذا الخلق من أعظم الأخلاق، ونحن نفتقده بيننا فلا نكاد نجد له أثرا عند كثير من الناس مع أن فواته كفيل بأن يهدم دولا بأسرها،  وفكر في الأمر بين أن يأخذ الإنسان نفسه بالأمانة في كل ما وجب عليه , وبين أن يترخص فيها ويلقي بها ظهريا وينطلق وراء أهوائه نجد أثر ذلك بالغا , وعواقبه من أسوأ العواقب .

أردت بكتابة هذه الكلمات أن أنبه إلى أن كمال المسلم لا يتم بالعبادات وحدها، بل يجب أن يكون مشتملا على الأخلاق القرآنية العظيمة متبعا لها، عاملا بها، حريصا عليها، وهذا هو الذي يميزه عن غيره . إذ يجب أن يكون المسلم ممتازا عن غيره في كل شيء . . وهذا التميز لازم للإسلام لأنه من رب العالمين، وكل ما فيه صحيح، وضعه خالق الخلق العليم بما تصلح به أحوالهم . . وإن في آيات القرآن كثيرا من أمثال ما ذكرت، ولكني اقتصرت عليه لأنه أولى بالتنبيه من غيره . . العزة – الصدق – الأمانة فضائل تستأهل الحرص عليها , والله يوفقنا ويهدينا سبيل الرشاد .

من كتاب "الإسلام والداعية مقالات لفضيلة الأستاذ حسن الهضيبي رحمه الله