يقول تعالى: {ألهاكم التكاثر، حتى زرتم المقابر، كلا، سوف تعلمون، ثم كلا، سوف تعلمون.} 

هذه الحقيقة العميقة، المستقرة فى كل النفوس، التى تطبع كل البشر، بل، هذه الحقائق المتعددة، الحقائق المتراكبة، حقيقة وقوع الإلهاء، وحقيقة تأثير التكاثر، وحقيقة ضياع الحياة من بين أيدى الناس، ضياع الحياة بفرصها الرائعة، وحقيقة ضعف العلم الحقيقى أو انعدامه، وحقيقة انكشاف الحقائق عند الموت وبعده، وحقيقة عموم كل ذلك، عمومه على الأفراد، وعمومه على التجمعات، وعمومه على الأمم.

إن الخطاب القرآنى متميز غاية التميز فى هذه الآية، عبّر عن ذلك الأستاذ سيد فقال: "هذه السورة ذات إيقاع جليل رهيب عميق، وكأنما هي صوت نذير، قائم على شرف عال، يمد بصوته، ويدوي بنبرته، يصيح بقوم غافلين مخمورين سادرين، أشرفوا على الهاوية، وعيونهم مغمضة، وحسهم مسحور. فهو يمد بصوته إلى أعلى وأبعد ما يبلغ:{ ألهاكم التكاثر .... حتى زرتم المقابر} أيها السادرون المخمورون! أيها اللاهون! المتكاثرون."

إنه تحذير رب العالمين، إنها رحمته بعباده، إذ يبصرهم مآلات أمورهم قبل ورودها، ويفتح عيونهم وقلوبهم على النهايات، وهم ما زالوا يمسكون بقبضتهم على الحياة، عسى أن يتداركوا ما فات، ويفيقوا من سبات.

لقد وقع الإلهاء، هكذا قرر ربنا، ومن أصدق من الله حديثًا؟ لقد وقع الإلهاء، فانشغل الناس عن الأهم والأكثر نفعًا، وقع الإلهاء، وكادت الفرصة كلها أن تضيع.

وسبب الإلهاء هو التكاثر، التكاثر فى المال والأولاد، التكاثر فى متاع الدنيا، التكاثر فى العاجل القريب، فيما يسعد النفس سعادتها القريبة، فيما يحقق لها شهواتها، إنه التكاثر، فى صيغة التفاعل، إنها المنافسة على المزيد، يتنافس الأنداد فيما بينهم، وينافس الإنسان نفسه، وتتنافس الجماعات، وتتنافس الأمم، يتنافس الجميع على ما يلهيهم.

إنها صورة حزينة، مرعبة، إنها حقيقة تهز القلب من أعماقه، تنافس على ما يهلك، تدافع وتسابق على ما يجب الهرب منه، إنه الإنسان حين ينصرف مختارًا عن هدى السماء، حين يقرر لنفسه، حين يلقى قلبه وعقله بعيدًا عن منارات الحق، بعيدًا عن القمة الرفيعة، عما اختاره له رب الأرض والسماء، بعيدًا عن العزة والكرامة، والشرف والفوز الكبير.

إنها حقيقة مؤلمة، يفزع منها العاقل، حين يعلم أن ربه يحذره، ينادى به، ينذره مغبة ما هو فيه، يحذره أن يضيع منه الطريق، أو يضيع بالكلية عن الطريق، لأنه يتلهى بما لا يجوز له أن يتلهى به، لأنه يتلهى عن واجبه المقدس، يتعامى عن الحقائق الكبرى، ويصرف همته ووقته وإمكاناته فى غير محلها.

والعمر قصير محدود، والأجل مجهول، ولا يأتينا الموت إلا بغتة، وحينها- حين الموت- وفى القبر تتكشف الحقائق، حينها يكون الندم، يكون الألم، يكون العلم، حيث العلم الحقيقى، بقدر الخسارة، وقدر الضلال، حين يرى الإنسان بأم عينيه، يرى عظيم الثمن وتفاهة السلعة، يرى عمره الذى أهدره، وحقارة ما أضاع حياته من أجله! 

حين يرى عظيم ما فرط فيه، حين يرى عظمة من فرط فى جانبه، حين تتجلى له قدرته، وملكوته، وبطشه بمن عصاه، وإكرامه لمن أحب، حينها يعلم الإنسان أنه كان فى لهو ولعب، حينها يعلم أن حبه للمزيد مما لا ينفعه قد شغله عن التزود بما ينعه.

لكن رحمة الله الكبرى، وفضله العظيم، وعنايته- سبحانه بعباده- نقلت لهم هذه الصورة المستقبلية، فصور لنا القرآن الكريم هذه الحقائق، حتى يتجنب المؤمنون هذا المصير. نقلنا القرآن نقلة زمانية كبرى، فإذا بنا من وراء حجب الزمان، نرقب حركة البشر، نراهم وقد وقعوا فى الفخ، فانشغلوا، انشغلوا بامتلاك المزيد، والتنافس فيه، والتسابق عليه، انشغلوا عما خلقهم الله من أجله، انشغلوا عما فرضه عليهم، انشغلوا عن طاعته، عن السعى الحثيث لإرضائه والفوز به.

ولم يستفيقوا إلا فى قبورهم، لم يتعلموا إلا بعد فوات الأوان، فإذا بالعلم يأتيهم وقد خسروا كل شيء! فإذا العلم حينئذٍ عذابٌ فوق العذاب.

ويأبى الله على عباده أن يكونوا عبرةً لغيرهم، بل يحب لهم أن يسمعوا ويطيعوا، يحب لهم أن يكونوا من الفائزين، الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع ولا كل الحياة، لا تلهيهم عن ربهم، عن جهادهم، عن صراطهم المستقيم.