على سنة النبى الكريم-صلى الله عليه وسلم- وصحبه الكرام- رضوان الله عليهم، نقول ونردد معهم: {سمعنا وأطعنا غفرانك ربك وإليك المصير} نسمع ونطيع لما يأمرنا ربنا وينهانا، ننتصح بنصيحة القرآن، فنراجع أنفسنا، نستغفر، ونتوب، ونعرض أحوالنا على كتاب ربنا وسنة نبينا، ونغير كل ما يجب علينا تغييره، حتى يرضى عنا ربنا، ونبدل ما يستحق التبديل، حتى نصير أهلًا للنجاة يوم القيامة، ونكون جديرين بالفوز العظيم.

فعلى المستوى الفردى، نسمع ونطيع لتحذير الله لنا {ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر}، نؤمن أن ما يقوله الله هو الحق، {ومن أصدق من الله حديثًا} اللهم لا أحد. نعم ألهانا التكاثر، وما زال يلهينا، إلا أن يتغمدنا الله برحمته. صدقت ربنا وتعاليت، فقد انشغلنا عنك، وليس لشيء فى هذه الدنيا أن يشغل العبد عن مولاه، فاللهم غفرانك ربنا، نستغفرك ونتوب إليك. انشغلنا عن طاعتك، وانشغلنا عن الاجتهاد فى مرضاتك، انشغلنا عن عظيم الأمر بما هو دونه، وكل شئ هو دون ذلك.

الإلهاء حقيقة واقعة فى حياة كل فرد، إلا من رحم الله، وإخبار الله لنا عنها من أعظم نعمه علينا، فله الحمد والمن والفضل، فالعاقل من يثق فى مولاه، ويأخذ كلمات القرآن على محمل الجد- كل الجد، فيعود إلى نفسه، وإلى تفاصيل حياته، يراجع، ويفحص، يقلب، ويتأكد، لأن الله قد قال، (وقول الله هو الحق). 

حين يؤمن الفرد بهذه الحقيقة، فلا ريب أن يزول عنه كل كبر وغطرسة، ويمحى من جانبه كل رفض- بجهل- أن يتهم نفسه، بل، يكون اتهام النفس هو الأصل، حتى تثبت براءتها، ويتيقن أنه ماضٍ على صراط الله المستقيم، بكليته، بكل جهده ووقته ومواهبه وقدراته، بكل كلمة يقولها، وكل كلمة يسكت عنها، بكل حركة يتحركها، وبكل سكنة يسكنها، بكل شعور يخالجه، وبكل فكرة تخطر بباله، لا يضيع من ذلك ولا من غيره شئٌ فى غير الطريق، فهو سائر إلى الله، مجتهد فى رضاه، لا يشغله عن ذلك شاغل.

الإلهاء حقيقة قرآنية، ونحن هنا نتحدث عن الإلهاء بالتكاثر، وقد يكون التكاثر حتى فى العبادة! فينشغل المؤمن الصالح التقى بالمفضول من الأعمال عن الأفضل، والأوفر ثوابًا، والأعظم درجة عند الله، ولا ريب أن هذا من تلبس الشيطان الذى ذكره غير واحد من علمائنا الكرام، فترى كثيرًا من الناس قد شغلتهم ألوان الطاعات والعبادات عن الفريضة الكبرى والواجب الأعظم، ألا وهو العمل لنصرة هذا الدين، والسعى لإعادة الخلافة من جديد، والجهاد فى سبيل أن تعود الأمة إلى ربها، ويعود لها عزها ومجدها، على سنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وصحبه الكرام، من غير انحراف ولا تبديل، ولا إفراط ولا تفريط.    

وقد يكون الإلهاء بالتكاثر من الصالحات، مما هو غير واجب الوقت، فيضيع الواجب لانشغال الإنسان عنه بغيره، فلكل وقت عبادته، ولكل حال جهاده، لكن الشيطان-هنا أيضًا- يقفز ويجتهد حتى يصرف المؤمن عن الخير الأكبر إلى ما دونه، فترى بعضهم مشغولًا عن دعوة الناس إلى الخير، والأخذ بأيديهم إلى الله، والعمل على نجاتهم من سوء المصير، تراه مشغولًا عن ذلك بما دونه من عبادات قاصرة، أو غيرها مما هو دون ذلك فى الفضل والأجر، وتراه مكثرً مبالغًا، حتى ترى صدق قول الله فيه {ألهاكم التكاثر}

وقد يكون التكاثر فى المباحات، التى لا تثريب عليها عند الاعتدال، {ولا تنس نصيبك من الدنيا} لكنك قد ترى بعض المؤمنين قد فتحوا على أنفسهم من أبواب الدنيا ومتاعها وشهواتها ما لا ضرورة فيه، بل، هو التوسع فى المباحات، والاستزادة منها، والتكاثر فيها، ولا ريب أن الآجال محدودة، والطاقات هزيلة، والجهود قليلة، فمن انشغل بشيء فلن يكون إلا على حساب غيره، وصدق من قال: (من عمل لدينه أضر بدنياه، ومن عمل لدنياه أضر بدينه) فإما أن تستنزف عمرك وجهدك وطاقتك فى المباحات، فتأخذك بعيدًا عن المعالى، وإما أن يوفقك الله، فتبنى بها مجدك عنده، فى مقعد صدق عند مليك مقتدر.

وقد يكون التكاثر- لا قدر الله- فيما حرم الله، وما أكثر ما نرى ذلك فى حياتنا! حيث يتسلط الشيطان على الناس، فيغرقون فى شهواتهم المحرمة، يتنافسون فيما بينهم، أيهم أشد خسرانا وأضل سبيلًا! ولا ريب أن هذا التكاثر هو أخطر ما يلهي الإنسان، لأنه يلهيه عن ربه بالكلية، يلهيه عن مصيره، عن دينه، يلقيه بعيدًا بعيدًا حتى {تهوى به الريح فى مكان سحيق} فتراه مشغولًا بما يهلكه، ينفق فيه كل غالٍ ورخيص، نعوذ بالله من الضلال.

على أن المؤمن يتحرك فى مسيره إلى ربه بين الخوف والرجاء، فهو يراجع نفسه كل لحظة، يجدد العهد مع الله، يتباعد عن كل إلهاء، ويبرأ من كل تكاثر، إلا فيما يتنافس فيه الصالحون، ويتسابق إليه المتقون، غير مباهٍ، ولا فخور، ولا يرى نفسه خيرًا من أحدٍ، فرب صاحب معصية اليوم يختم الله له غدًا بالحسنى، ورب مجتهدٍ فى طاعةٍ اليوم مردود غير مقبول غدًا.