وما زلنا نبرأ إلى الله العلى العظيم، نستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به- سبحانه- من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. نتحدث اليوم عن الجماعة ونصيبها من {ألهاكم التكاثر} وكيف نحولها لواقع عملى، فنجعل القرآن لنا فى الدنيا إماما، نهتدى بهديه، ونستنير بنوره. وإنها الحقيقة مرة أخرى، وإن كانت هذه المرة على مستوى الجماعة- أية جماعة- الجماعة التى تؤمن بالله واليوم الآخر، تعمل للإسلام ولا شيء غير الإسلام، تبتغي نصرة دينها، والخير لأفرادها، تتبع القرآن والسنة منهجًا وطريقًا. 

وعلى مستوى الجماعة، تظهر الحاجة لهداية هذه الآيات العجيبة، وسبحان من هذا كلامه، {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا} فالإلهاء داخل الجماعات حقيقة واقعة، ظاهرة واضحة لكل مخلص غيور، لا ينكرها إلا من غابت عنه الحقائق، أو غاب هو عنها.

الإلهاء، إلهاء الجماعة عن المهمة المقدسة، عن الهدف الصحيح، عن المسار القويم، عن الجهاد الحق، الذى يبنى قواعد التغيير، ويهيئ الأسباب، يهدم جذور الباطل، ويشيد للحق صروحًا وقلاعًا، الإلهاء عن وضع الخطط، ومراجعتها، وتصويبها، ومتابعتها، وتقويمها، وترقيتها، الإلهاء عن رسم الطريق الكلى، ومراحله، وتفصيلاته، وتحديد الاحتياجات، وإعداد العدة، من الرجال، والمؤسسات، والمؤلفات، وغيرها، الإلهاء عن اقتناص الفرص السانحة، ودراسة الواقع، ودراسة الأعداء، والتحديات، واستكشاف طرق ووسائل التغلب عليها، وتجاوزها، الإلهاء عن المسئولية عن هذا الدين، وعن نصرته، عن إعداد كل ما يلزم للنجاح.

ويكون الإلهاء بالتكاثر، التكاثر فى العدد، عدد الأفراد، كثرة الأنصار، داء كل التجمعات الأرضية، إنه السوس الذى ينخر فى العظام، فيحيل القوة ضعفًا، والقدرة عجزًا، ولا يبقى إلا شكل وضجيج، من دون تأثير، أو وزن يعتبر، إنه الاهتمام والفرح بجذب المزيد من الناس، إنها الخديعة بالكثرة، والغرور بالأعداد {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم} 

والأصل الذى لا يجب الحياد عنه، والحقيقة التى يحرم على الجماعة أن تتعامى عنها، أن القضية قضية صفات وأخلاق، وقيم والتزام، القضية هى مدى تحقق العاملين المنتسبين لهذه الجماعة بصفات المؤمنين، القضية قضية التزام هؤلاء العاملين قيم وأخلاق هذا الدين، قضية بذل الوسع فى العمل المنضبط، وتلك هى القوة الوحيدة المعتبرة، مهما قل عدد المنتمين إلى الحركة الإسلامية أو كثر، {ألا إن نصر الله قريب} ولكن {كان حقًا علينا نصر المؤمنين}، إن الله لا يعجزه أن ينصر هذا الدين، لكن سنة الله اقتضت أن يكون لجيل النصر مواصفات، لن يتنزل بدونها، ولن تقبل منتقصة! 

ولذا يجب على الجماعة أن تحذر من هذا الفخ، فخ التكاثر الملهي عن أصل الجهاد والحركة، نعم، نشر الدعوة بين الناس فريضة، والعمل على زيادة الأنصار واجب، وهو جزء من نصرة هذا الدين، لكن بلا انشغال عن معركتنا الأولى، (إن ميدانكم الأول أنفسكم).

كما يجب على الجماعة أن تنتبه لفخ التكاثر بالمنافسة، حين يعمل أهل الباطل على جر الصالحين إلى معارك جانبية، يشغلونهم عن ميدانهم ومعركتهم، ترى المخالفين يرمون الدعوة ببهتان الاتهامات، أو حتى بظالم مادية، فيؤذون المؤمنين فى أنفسهم وأموالهم، ومستقبلهم، ومصالحهم، كل ذلك من أجل إلهائهم وشغلهم عن دعوتهم والعمل لها، وحينها قد تعلو شهوة الانتصار للنفس، والدفاع عن الأعراض، وفداء الرموز، فيتحقق للخصم ما يريد.

وقد يكون مرض التكاثر بالفخر على المؤمنين، بما وفق الله إليه من نجاح، وما تم تحقيقه من نتائج، وهذا هو التكاثر الذى ذكره المفسرون- التكاثر بالأموال والأولاد ومتاع الحياة الدنيا- وحين تنشغل الدعوة بمثل هذا التكاثر، وتتلهى به عن شكر النعمة، وعبادة المنعم، وحين تنشغل بمثل هذا عن التربية والإعداد، فإنها تفقد مبرر وجودها، وتسقط من عين الله، إلا أن تستغفر ربها، وتعاود طريق الصديقين.

وقد يكون مرض التكاثر فى داخل الجماعات نوعًا من التنافس بين أفرادها، تنافس على حيازة المنافع الدنيوية، فتراهم يتسابقون إلى ما فيه صدارة، ووجاهة، وحسن ذكر، وظهور، لا سيما فى هذه الأيام التى انتشرت فيها وسائل الشهرة، وزادت فيها فرص الفرد فى التعبير، والشهرة، وزيادة الأتباع. وهذا اللون من التكاثر هو خطر واضح يهدد الجماعة، ويؤذن بتفجيرها، وعلى القيادة أن تنتبه، ولا يشغلها عن التربية والتكوين شيء، ولا يغل يديها عن ذلك خوفٌ، من انصراف البعض عنها، أو شغبهم عليها، فالحق أحق أن يتبع، والجماعة مستأمنة على دين ودعوة.

وقد تكون شهوة التكاثر داخل الجماعة بتكوين جيوب، وتحزبات، وجذب أعداد من أفراد الجماعة حول شخصٍ أو فكرةٍ، من دون احترام للجماعة وقيمها ومبادئها، يلهي ذلك التكاثر القائمين عليه، والداعين له، عن قضيتهم الأساسية، وعن طبيعة المهمة التى انتدبوا أنفسهم إليها، حين انتظموا فى طريق الدعوة، وتلك فتنتهم. وهذا النوع مما يجب على القيادة التصدى له بحزم إذا وقع، والعمل على منعه من منبعه، بحسن التربية، والتوجيه، ودقة الاختيار من البداية.