الثلاثاء 19 محرم 1444 هـ - 16 أغسطس 2022 م الساعة 07:06 م

الهجرة والدولة المدنية الحديثة

الهجرة والدولة المدنية الحديثة
السبت 30 يوليو 2022 12:25 م
بقلم: لمياء شومان

في بداية كل عام نتذكر الهجرة، فنجد فيها نبراسًا يهدينا في ظلمات الطريق، وهدى يرشدنا إلى ما فيه الخير، ودروسًا نتلقاها ونرى فيها حدث الهجرة العظيم واقعًا وكأنما يحدث الآن.

وهذا يُحتِّم علينا- ونحن في صدد بناء دولة مدنية حديثة على أنقاض دولة ظلم واستبداد- أن نتخذ من ذلك التاريخ المشرق نورًا وهدايةً.

إن الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة لهي أهم حدث في تاريخ الدعوة الإسلامية؛ إذ كانت نقطة تحول هائلة في تاريخ المسلمين، كانت إيذانًا بوجود كيان سياسي للمسلمين ودولة تعبر عن قيم الإسلام ومبادئه.

لم تكن الهجرة نزهةً أو رحلةً، ولكنها كانت تضحيات هائلة من أجل العقيدة؛ فكانت ثمرتها قيام دولة عظيمة سعى قائدها العظيم صلى الله عليه وسلم لتثبيت دعائمها على قواعد متينة وأسس راسخة.

فما أحوجنا اليوم لفهم ودراسة تلك الأُسس والدعائم ونحن نشرع في بناء دولتنا الجديدة والتي ستكون عظيمةً بإذن الله باتباعها خطى النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه.

بناء المسجد

هو أول ما قام به الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وذلك لتظهر فيه شعائر الإسلام التي طالما حُوربت، ولتقام فيه الصلوات التي تربط المرء برب العالمين، وتنقي القلب من أدران الأرض وأدناس الدنيا.

إن إقامة المساجد من أهم الركائز في بناء المجتمع الإسلامي، والتي تكسبه التمسك بعقيدته والتزام نظامه.

ولم يكن المسجد متعبدًا لصلاة المؤمنين وذكرهم لله تعالى فحسب، بل قام بأدوار متعددة، فكان ملتقى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه الوافدين علبه طلبًا للهداية، وجامعة للعلوم والمعارف، ومعهدًا لطلاب العلم من كل صوب؛ ليتفقهوا في الدين ويرجعوا إلى قومهم مبشرين ومنذرين، كان قلعة اجتماع المجاهدين، ومستشفى جراحاتهم، كان كذلك بريدًا للإسلام تصدر منه الأخبار وتتلقى الأنباء السياسية سِلمًا وحربًا.

** وقد آن الأوان بعد ثورة مصر العظيمة أن يعود للمسجد مكانته ويقوم بدوره في إصلاح الأمة وإرشاد المجتمع؛ فلا يغلق بابه ولا يهمش دوره.

الأخوة الإسلامية

كان من أوائل الدعائم التي اعتمدها النبي صلى الله عليه وسلم في برنامجه الإصلاحي والتنظيمي للأمة والدولة والحكم هي تقرير المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، لكي يتلاحم المجتمع المسلم ويتآلف وتنضج معالم تكوينه الجديد، مع وجود مبدأ التآخي العام منذ بداية الدعوة.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرّج عن مسلم كربة فرج الله- عز وجل- عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة" (البخاري).

فما أحوجنا اليوم إلى نظام المؤاخاة الذي تذوب فيه عصبيات الجاهلية، وتسقط فوارق النسب واللون، وتتقارب فيه الثقافات (الأيديولوجيات) المختلفة لتتفق على هدف واحد وتتنافس في الإصلاح والتعمير.

* إن الأخوَّة في الله من أهم الأسباب التي تعمل على الصمود في وجه أعتى المحن التي تمر بالمسلمين، وتأخذ بأيديهم لبناء أمة عزيزة قوية.

دستور المدينة

لا يمكن أن تقوم دولة قوية على قواعد متينة دون أن يكون لها دستور ينظم العلاقات بين أفرادها، ويضع الأسس الثابتة التي يتحاكم إليها الجميع.

وقد تضمنت صحيفة دستور المدينة التي كتبها النبي صلى الله عليه وسلم فور استقراره في المدينة مبادئ عامة درجت دساتير الدول الحديثة على وضعها فيها، وكان من أهم هذه المبادئ:

مفهوم الأمة

فكان من أول ما جاء في الصحيفة: "هذا كتاب من محمد رسول الله بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم ولحق بهم وجاهد معهم.. إنهم أمة واحدة من دون الناس..".

وكان هذا شيء جديد في تاريخ الحياة السياسية في جزيرة العرب؛ إذ نقل النبي صلى الله عليه وسلم قومه من شعار القبلية والتبعية لها إلى شعار الأمة التي تضم كلَّ من اعتنق الدين الإسلامي.

مبدأ المواطنة

اعتبرت الصحيفة أن اليهود جزءٌ من مواطني الدولة الإسلامية؛ لذلك قيل في الصحيفة: "وأن من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم"، ثم زاد هذه المادة إيضاحًا بأخرى نص فيها صراحةً بقوله: "وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين"، بهذا نرى أن الإسلام قد اعتبر أهل الكتاب الذين يعيشون في أرجائه مواطنين، وأنهم أمة مع المؤمنين ما داموا قائمين بالواجبات المترتبة عليهم.

وقد اعترف اليهود في هذه الصحيفة بوجود سلطة قضائية عُليا يرجع إليها سكان المدينة، بمن فيهم اليهود، لكنهم يحتكمون إلى التوراة في قضاياهم الخاصة وأحوالهم الشخصية، ويقضي بينهم أحبارهم، وإذا شاءوا فبوسعهم الاحتكام إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

المرجعية العُليا لله ورسوله

جعلت الصحيفة الفصل في كل الأمور بالمدينة يعود إلى الله ورسوله؛ فقد نصت على مرجع فض الخلاف، فجاء فيها: "وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله وإلى محمد"، فالقرآن الكريم والسنة النبوية هما مصدر التشريع.

* وكان القرآن ينزل يُرسي مبادئ الحكم وأصول السياسة وشئون المجتمع وأُسس التقاضي وقواعد العدل وقوانين الدولة في الداخل والخارج.

إقليم الدولة

جاء في الصحيفة هذه المادة: "وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة"، وأصل التحريم ألا يقطع شجرها ولا يقتل طيرها فإذا كان هذا هو الحكم في الشجر والطير فما بال الأموال والأنفس؟!

فهذه الصحيفة حددت معالم الدولة: أمة واحدة، وإقليم وهو المدينة، وسلطة حاكمة يرجع إليها وتحكم بما أنزل الله.

الحريات وحقوق الإنسان

وقد أعلنت الصحيفة أن الحريات مصونة؛ كحرية العقيدة، والعبادة.. وحق الأمن.. و..... وحرية الدين مكفولة: "للمسلمين دينهم ولليهود دينهم"، وأنذرت الصحيفة بإنزال الوعيد بمن يخالف هذا المبدأ.

مبدأ المساواة

جاءت النصوص صريحة حول هذا المبدأ، منها: "المؤمنون يبيء بعضهم على بعض" والبواء هو المساواة.

ويُعد مبدأ المساواة أحد المبادئ العامة التي أقرها الإسلام، وهو من المبادئ التي تسهم في بناء المجتمع المسلم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يأيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد؛ ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى.. أبلغت؟؟؟" (رواه مسلم)، وليس المقصود بالمساواة هنا المساواة العامة في كل أمور الحياة؛ بل إنها مساواة في معاملة الناس أمام الشرع والقضاء وكل الأحكام والحقوق العامة دون تفريق بسبب الأصل أو الجنس أو اللون أو الثروة أو الجاه.

وهكذا اشتملت الصحيفة على أتم ما تحتاجه الدولة من مقوماتها الدستورية والإدارية وعلاقة الأفراد بالدولة، وستظل بنودها تشع ضياءً على دساتير المسلمين في كل عصر.

السوق التجارية

"لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حدد مكانًا معينًا للسوق في موضع بقيع الزبير وضرب فيه قبة، وقال لأصحابه: "هذا سوقكم"، ولكنه رأى غيره أنفع منه وأكثر تحقيقًا لمصالح المسلمين، فعدل عنه وذهب إلى مكان حر فسيح وخطه برجله وقال: "هذا سوقكم فلا ينتقصنّ ولا يضربنّ عليه خراج".

التنظيم النبوي للسوق

وقد كان يباع في هذا السوق معظم أنواع الأطعمة والسلع، مثل: السمن والأقط والتمر والحنطة ونحوها، كما عرضت فيه للبيع أنواع الماشية من خيل وبقر وغنم.

وقد حظي السوق في عهده صلى الله عليه وسلم باهتمام ورعاية، فتعهده بالإشراف والمراقبة ووضع له ضوابط وسنّ له آدابًا وطهره من كثير من بيوع الجاهلية المشتملة على الغبن والغرر والغش والخداع والربا.

كما منع بيع المحرمات فيه والخمر والخنزير، ومنع إنشاد الأشعار والتفاخر بالأحساب والأنساب فيه.

وقد داوم رسول الله صلى الله عليه وسلم على تفقد أحوال السوق بنفسه أو مع بعض أصحابه ومراقبة الأسعار، ومنع أي احتكار أو استغلال قد يقع فيه، كذلك عُني بحريته وإتاحة الفرص المتكافئة فيها للبيع والشراء بين الجميع على السواء ومقاومة كل سلطان أو مظهر يراد به التأثير أو الأستئثار بأي امتياز فيه.

كما سار على طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وطريقة أصحابه من بعده الحكام والولاة والأمراء المسلمون عبر العصور والأزمنة وفي مختلف الأمكنة؛ فاتخذوا من سيرتهم في التجارة وتنظيم الأسواق قواعد قيمة وآدابًا سامية كانت أساسًا لنظام اقتصادي إسلامي يقوم على العدل في المعاملة والحرية في التبادل، خالٍ من شوائب الطمع والاستغلال والربا والاحتكار.

النظام الإسلامي يزيد الإنتاج ويقلل الفقراء

إن طبيعة النظام الإسلامي توجب زيادة الإنتاج في الأمة وصيانة ثروتها من التبدد والضياع فيما لا ينفع؛ فالإسلام يحفظ طاقاتها وثروتها وجهود أبنائها أن تستهلك في شرب الخمور والمسكرات وفي اللهو والسهر العبث الحرام وفي الفواحش ما ظهر منها وما بطن.

إن ما يتبدد من طاقات الأمة وأموالها في ذلك العبث والفساد يصونه الإسلام بقوانينه الملزمة ووصاياه الهادية وتربيته العميقة ويوفره سليمًا قويًّا ليتجه إلى العمل والتنمية والإنتاج.

إن الشعب الذي يستقبل يومه من الصباح الباكر متوضئًا مصليًا، طيب النفس نشيط الجسم، مستقيم الخلق، سيفوق إنتاجه- لا محالة- إنتاج الشعب الذي يقضي نصف ليله أو أكثره في الخلاعة والفجور؛ فإذا أدركه الصباح لم يقم من نومه إلا مكرهًا وإذا توجه إلى عمله توجه خبيث النفس كسلان، مهدود القوى.

إن الإسلام يطارد الفقر بقوانينه وأنظمته وتوجيهاته ويعمل بشتى الوسائل على إغناء الفقراء.

وقد تتابعت الأحاديث النبوية بكثرة تنبئ بالغنى الذي سيفيض على الأمة فيضًا حتى ينعدم فيها من يستحق الصدقة.

روي عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب ثم لا يجد أحدًا يأخذ منه" (متفق عليه).

ولم يتأخر الزمن كثيرًا حتى أدرك المسلمون هذا الغنى ولم يوجد في مجتمعهم من يستحق الصدقة وذلك حين استقر بهم الأمر وتهيأ لهم حكم عادل وخلافة راشدة، وذلك في عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.

** روى أبو عبيد أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن- وهو بالعراق- أن أخرج للناس أعطياتهم (أي رواتبهم ومخصصاتهم الدورية) فكتب إليه عبد الحميد: "إني قد أخرجت للناس أعطياتهم وقد بقي في بيت المال مال (أي فائض من الخزانة)"، فكتب إليه أن انظر كل من أدان في غير سفه ولا سرف فاقض عنه، فكتب إليه "إني قد قضيت عنهم وبقي في بيت المال مال"، فكتب أن انظر إلى كل بكر ليس له مال فشاء أن تزوجه فزوجه وأصدق عنه (أي ادفع صداقه)، فكتب إليه: "إني قد زوجت كل من وجدت وقد بقي في بيت المال مال"، فكتب إليه أن انظر من كانت عليه جزية (أي خراج) فضعف عن أرضه فأسلفه ما يقوى به على عمل أرضه؛ فإنا لا نريدهم لعام أو عامين.

* وأسبق من عهد عمر بن عبد العزيز أن بعض الأقاليم التي سعدت بحكم الإسلام في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أدركت حظًّا عظيمًا من هذا الغنى الذي عمت بركته أهل الإقليم كافة.

** عن أبي عبيد قال: إن معاذ بن جبل لم يزل بالجند إذ بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن حتى مات رسول الله، وأبو بكر؛ ثم قدم على عمر فرده على ما كان عليه فبعث إليه معاذ بثلث صدقة الناس فأنكر ذلك عمر، وقال: "لم أبعثك جابيًا ولا آخذ جزية، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فتردها على فقرائهم"!، قال معاذ: ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد أحدًا يأخذه مني، فلما كان العام الثاني بعث إليه شطر الصدقة (نصفها) فتراجعا بمثل ذلك، فلما كان العام الثالث بعث إليه بها كلها فراجعه عمر بمثل ما راجعه قبل ذلك، فقال معاذ: ما وجدت أحدًا يأخذ مني شيئًا.

سنة التدرج

ويسألونك متى هو؟ قل عسى أن يكون قريبًا.

إن طبيعة النظام الإسلامي يمكن أن يأتي بأطيب وأفضل النتائج إذا أحسن الناس تطبيقه والانتفاع بأحكامه ووصاياه، وحين يستقر هذا النظام وتتوطد دعائمه في الأرض.

• روى الإمام البخاري في صحيحه عن عدي بن حاتم الطائي أنه كان عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل، وكان عدي قد وفد على النبي صلى الله عليه وسلم ليدخل في الإسلام وخشي النبي صلى الله عليه وسلم أن يفت في عضده ويثبطه عنه ما يرى من ضعف أهله وفقرهم وعدم انتشار الأمن في أرضهم حينذاك، فألقى إليه بالبشارات المذكورة في الحديث ترغيبًا وتثبيتًا، فقال: يا عدي هل رأيت الحيرة؟ قال: لم أرها ولكن أُنبئت عنها. قال: إن طالت بك حياة لترين الظعينة (يعني المرأة المسافرة) ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله" وفي رواية أنه "لا يأتي عليك إلا القليل حتى تخرج العير إلى مكة بغير خفير"، وأكمل النبي صلى الله عليه وسلم: ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى، قال: كسرى بن هرمز؟ قال: كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدًا يقبله منه.

* وقد أسلم عدي وحسن إسلامه ورأى بنفسه ما بشره النبي صلى الله عليه وسلم.. قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة ولا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم: يخرج ملء كفه... "يعني ما بشر به من فيض الغنى وفقدان الفقراء".

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ولئن طالت بك حياة": يدل على أن هذا سيتحقق في عهد قريب؛ بحيث يمكن أن يشهده من طالت به حياته من الصحابة، وهذا ما حدث بالفعل.

وهكذا انتصر النظام الإسلامي على الفقر والخوف، واستطاع أن يحقق الرخاء والأمن لأهله في ظل الحرية وتحت راية العدل.

----------------

• المراجع:
* السيرة النبوية- للصلابي.

* أحكام السوق في الإسلام وأثرها في الاقتصاد الإسلامي- أحمد بن يوسف.

* مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام- د. يوسف القرضاوي.