دعاة الإسلام في خطر !.....

لا أعني أنهم خطر من عدوهم... ومن مكائد خصومهم وكم مؤامرات الحاقدين عليهم وعلى الإسلام ....فهذه أخطار قد تهون -على ضراوتها وشدتها -أمام أخطار النفس وانحرافاتها ....فالداعية بخير ما برئ من عيوب نفسه وأمراضها مهما بلغت قوة الأعداء والخصوم، ومن هنا نفهم وصية عمر  بن الخطاب رضي الله عنه للمسلمين حيث يقول : (كونوا أشد احتراسا من المعاصي منكم من عدوكم فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله واعلموا أن عليكم في سيركم حفظه من الله فلا تعملوا بمساخط الله وأنتم في سبيل الله ).

أقول هذا لأنني أدرك أن درب الدعاة في هذا العصر درب محفوفة بالإغراء ....ولقد هدمت جاهلية القرن العشرين كل معنى من معاني الفضيلة والخير والكرامة ....وأسفرت عن وجه كالح شاحب ترتسم فيه وتتوافر أسباب الغواية والفتنة والشذوذ ...وأزكمت مادية هذا العصر الأنوف حتى أصبح الإنسان لا يفكر إلا بها ولا يعيش إلا لها، ولا يحكم على الأشياء إلا من خلالها ... أعمت بصره وبصيرته، وأماتت حسه وشعوره :{ فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا } .

هذه التركة المثقلة بالأعباء والمهمات كان على دعاة الإسلام أن يواجهوا مسئولية حملها بالعدة الكاملة من إيمانهم وأخلاقهم وأفكارهم وبكل ما يملكون من أسباب القوة والمنعة العقيدية والخلقية .

حصنوا جبهات المقاومة :

لذلك كان أخطر ما يواجه الدعاة في هذا الزمن تصدع جبهات المقاومة في نفوسهم، وتسليمهم أحياناً بما يسمي (الأمر الواقع ) والرضا بالترقيع في إسلامهم والقبول بأنصاف الحلول من مبادئهم وأهدافهم ...وكثيرا ما كانت سياسة التراخي والتساهل هذه تستدرج عن دائرة التصور والتفكير والسلوك الإسلامي .وإذا سلمنا بضخامة الأعباء وكبر المسئوليات التي تنتظر الدعاة في حاضرهم ومستقبلهم ....وما هم معرضون له من محن وفتن أصبح من أهم ما ينبغي أن يحرصوا عليه ويبادروا إليه هو توفير عوامل (الصيانة ) لنفوسهم وعقولهم ليقووا على مغالبة ما يعترض سبيلهم من عقبات .

الشخصية الإسلامية :

إن الاهتمام بتكوين الشخصية الإسلامية يجب أن يسبق أي عمل آخر ....فالشخصية الإسلامية حجر الزاوية في بناء الحركة الإسلامية ... وكما أن الحركة الإسلامية لا يمكن أن تنهض بدورها الكبير في قيادة الأمة بغير الدعاة والعاملين كذلك فإن هؤلاء الدعاة لا يمكن أن يقوموا بالدور الخطير ما لم تكتمل شخصيتهم الإسلامية اكتمالاً طبيعياً سليماً......فلنناقش إذن العناصر التي تتكون منها الشخصية الإسلامية .

1- العقلية الإسلامية :

إن العقلية الإسلامية إحدى مقومات الشخصية الإسلامية، وهي بالتالي ملكة التفكير والتصور الإسلامي الصحيح للكون والإنسان والحياة؛ فالأفكار والأحكام والمحسوسات والغيبيات يجب أن تخضع كلها لتقييم إسلامي صحيح . وبهذا تكون العقلية الإسلامية قاعدة فكرية تعكس مفاهيم الإسلام وأحكامه في كل شأن من الشئون .

فالعقلية الإسلامية هي (العقلية ) التي تنظر إلى الأشياء -كل الأشياء -من خلال الإسلام ...وتحكم على الأمور -كل الأمور -بمنظار إسلامي فيكون الإسلام بالنسبة إليها مقياس كل قضية، وحل كل مشكلة، وزمام كل أمر ....ولعله من الأسباب التي تؤدي بالدعاة إلى الانحراف -أحياناً- اضطراب فهمهم وتصورهم للإسلام كفكرة وللعمل الإسلامي كمنهج وأسلوب .

ولتكوين العقلية الإسلامية لابد من توفر العوامل التالية :

أولاً : الفهم الصحيح للكتاب والسنة الذي من شأنه أن يقيم في ذهن الداعية الخطوط الأساسية للحياة الإنسانية كما يريدها الإسلام ....

ثانياً: الإدراك الكامل لأهداف الفكر الإسلامي من حيث هو ضابط مسلكي وأخلاقي دافع للعمل جاعل سلوك الإنسان متقيداً ومتكلفاً بحسبه في الحياة الدنيا ونحو الآخرة وأنه ليس مجرد نظريات ومثاليات مجردة ... وهذا ما يجعل المفهوم الإسلامي واقعياً وإيجابياً وذا مفعول عميق وقوي في بناء الشخصية الإسلامية .

ثالثاً: الاستيعاب الكامل والكافي لجوانب التصور الإسلامي دونما انحصار في جانب من الجوانب ....فكثيراً ما يؤدي التفريط الجانبي إلى ظواهر وانحرافات خطيرة ....فالعقل ينمو نمواً طبيعياً ما دام  يتناول من الأبحاث والثقافات ما يكفل له غذاءً وفيراً ومتنوعاً .....ويقف عن النمو والإنتاج بل قد يتأخر ويسف عن التفكير إذا أهمل أو قدم له الضحل الخفيف من القراءات والمطالعات ....

يقول الدكتور صبري القباني في كتابه الأول من سلسلة (طبيبك معك ):إن الدماغ يستطيب تنوع الأبحاث فينسجم ويستعيد استساغة الفكر ...والتفكير ذو النمط الواحد يكده ويجهده، مثله في ذلك الأذن تمج النغم الواحد المتواتر، ومثل عضلات القدم التي يرهقها هبوط المنحدر السحيق كما يضنيها صعود المرتقي الطويل ....لذلك يجب أن نقدم لأدمغتنا دراسات منوعة لتحفظ بجدتها ونشاطها ..من هنا نلاحظ أن الذين ينصرفون إلى المطالعات (الروحية أو الأدبية)  فحسب يصابون بالانعزالية والانطوائية ....كذلك الذين يعكفون على البحوث العلمية المجردة ولا يقدمون للعقل أغذيته الأخرى الضرورية وقد يقعون فريسة عوارض عصبية ونفسية جامحة .وحتى يتحقق للعقل اتزانه وعمقه ويجب أن ينفتح على كل ما في الحياة من معرفة وعلم وثقافة ....يأخذ منها بقدر ....ويدع منها بقدر وفي حدود ما يستسيغه التصور الإسلامي السليم ...والعقلية الإسلامية لا يمكن أن تكون إسلامية صافية ما لم تطل على العالم من نافذة الإسلام ....تفكر وتقدر وتستحسن وتستقبح توازن وتقارن كل ذلك على الضوء الإسلام ووفق أصوله وقواعده .

النفسية الإسلامية :

والنفسية ثاني مقومات (الشخصية الإسلامية ) بل هي الانعكاس الحسي لتفاعل الفكرة الإسلامية وأثرها في حياة الفرد ...فميول الإنسان وغرائزه مربوطة ارتباطاً وثيقاً بمفاهيمه وتصوراته الفكرية ... ومن هنا كانت النفسية الإسلامية هي الكيفية التي يمارس الداعية على ضوئها غرائزه وميوله وحاجاته العضوية .وقد يكون من أهم ما تجب العناية به ووضع المناهج له تحويل المفاهيم والأفكار الإسلامية إلى سلوك وخلق أي إلى نفسية إسلامية .وهذا ما يفرض إحكام الربط بين العقلية والنفسية أي بين التفكير والتطبيق ...ولقد ندد الإسلام بانفصال (جزئَى الشخصية )عن بعضها البعض فقال تعالى:{ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ؟}.

منقول بتصرف من كتاب "مشكلات الدعوة والداعية " للدكتور فتحي يكن  رحمه الله.