د. عصام البشير

                                                   بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

أما بعد: فهذه كلمات عطرات، وخواطر ونظرات، ومعالم نيرات في رحيل إمام العصر العلامة الدكتور يوسف القرضاوي رحمه الله تعالى، إذ فقدت الأمة برحيله نورًا من العلم مشرقًا، وشهابًا من الفكر مزهرًا، وفيضًا من الفقه مبحرًا، فكان بحق تنقصًا من الأرض من أطرافها، ﴿أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها﴾ في أحد وجوه التأويل، إننا نرقُم هنا عن هذه القمة السامقة والقامة الفارعة من جبال العلم وأركان المعرفة وأرباب السلوك، لنقتفي بهذا الإمام، الذي عرفناه وسيع العلم، ثاقب النظر، عميق الفكر، عظيم التأثير، غزير الإنتاج، والذي مثل تجربة علمية حركية متكاملة، لها سماتها المتميزة، وإضافاتها المعتبرة، وخصائصها المتفردة.

تأتي هذه الكلمات تحقيقًا لمقاصد كريمة وغايات نبيلة نجملها فيما يأتي:

أولًا: وفاء بحق هذا العَلَم الشامخ

عرفانا بعطاء هذا الطود الأشم، الذي بذَّ الجميع في ساحة الرأي والفكر، وقوة العلم والعقل، وجرأة اللسان والقلم، هز النفوس الجامدة، وحرك العقول الراكدة، وترك دويًا ملأ سمع الزمان وآفاق الكون المتراحب، وغرس في ساحة الأمة المسلمة بذور الكلمة الواعية والحكمة الراشدة؛ التي بارك الله فيها فغدت دوحة فيحاء يستظل بها رواد الإصلاح وجيل الصحوة وهداة الأمة.

ففي شيخنا الجليل آثار الصالحين وأعلام الهدى ومشاعل النور، وضرب مثلًا شرودًا في إخلاصه لدينه وأمته وحضارته ودياره، أقوى ما يكون المثل رسوخًا وشموخًا وسناء وسنى، ذلكم شيخنا الجليل الإمام العلامة يوسف القرضاوي؛ بركة هذا العصر، فقيه الأمة، أستاذ الدعاة، شيخ المربين، نفع الله بعلمه وآثاره، وتقبل منه أحسن ما يتقبل من عباده الصالحين.

وأحسب أنه يحسن أن أنوه إلى أن سائر ما يرد فيها وفي سواها هو من باب الإنصاف، الذي يفضي بالناس إلى التأسي، وهو بعد ضربٌ من ضروب التعريف بأقدار الرجال وإنزالهم منازلهم، ونحن إذ نسوقه لا نسوقه إلا تعبيرًا عن عميق امتنانا للشيخ الإمام وعظيم جهوده، ورغبة صادقة في أن ينسج على منوال جده واجتهاده ناسج.

ثانيًا: التأكيد على مفهوم تلمذة المنهج لا المذهب

إنّ أول ما يلفت النظر في صنيع شيخنا وآثاره ونهجه في دعوته وما بثه في تلاميذه أنه كرس ما جد في العقود الأخيرة من نهج التلمذة المعاصرة، الذي يمتاز عن ذلك النهج القديم في الأخذ والتلقي عن الأشياخ، بسبب من تراكم المعرفة من جهة، وبسبب وسائل الاتصال البالغة الحداثة والتطور من جهة أخرى. فإذا كان في الزمن الماضي لابد من اللقاء والمشافهة وطول المجالسة بين التلامذة والأشياخ؛ فإنه في هذا الزمان قد يكفي اللقاء واللقاءان بين الشيخ وتلامذته، لتبدأ من رحلة التدرج على منهج الشيخ، والقراءة والتثقف بما يقدمه من كتاب مطبوع أو مقال منشور أو محاضرة مسجلة أو مادة تتناقلها الملايين في اللحظة ذاتها عبر الشبكة العنكبوتية العجيبة.

هذا وإن لم يعن الاستغناء الكامل عن أنماط التلقي التقليدية ولا الأفضلية، إذ تبقى خاصية اللقاء والمباشرة في العلاقة بين الأجيال ضرورية ومهمة ولا ريب في مجال التربية والسلوك، والتي من أعظم سبلها التلقي المباشر والمعايشة الحية والاتساء المبارك، إلا أنه يشير إلى خاصية من خواص هذا الزمن وهي أن نعاظم من الاستفادة منها على وجهها، وقديمًا قال الفاروق عمر -رضي الله عنه-: "الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم".

وفيما يخص شيخنا العلامة القرضاوي فإنه جمع بين طبقات من التلاميذ ممن لهم صلة بشيخنا الجليل، فثمة من طالت صحبته بشيخنا الجليل حتى جاوزت العقود ذوات العدد، وثمة من لم يلتقه إلا مرات معدودة، إلا أن الكل مشتركون في التلمذة على كتبه ورسائله وخطبه ومحاضراته، وهي تلمذة المنهج والطريقة القائمة على مراعاة الأصول المتجذرة لا تقليد الفروع المتغيرة، وعلى التجديد لا التقليد الذي هو إبطال منفعة العقل، وقبيح بمن أعطي شمعة يستضيء بها أن يهملها ويمشي في الظلمة، وهذا مما يجعلها مشروعًا مشرع الصفحات للكسب الإبداعي والإضافة المتجددة.

نؤكد من هذا ضرورة ألا يتأخر جيل عن أن يقدم كسبه وإبداعه وخبرته الخاصة ليضيف إلى جهد من سبقه، مستفيدًا من الخبرة المتراكمة، مجددًا في الطرائق والوسائل، مقتحمًا بكل جرأة وثقة ووعي أيضًا قضايا عصره ونوازله، وهذا من أعظم ما يستفيده الناظر في سيرة شيخنا الجليل.

ثالثًا: نذر عمره للوسطية

لقد نذر شيخنا رحمه الله تعالى للوسطية نفسه وعمره، وأعطاها فكره ووجدانه، ودعا إليها بلسانه وقلمه وخطبه وكتبه وجهاده واجتهاده، فعن الوسطية دعا وبها تمسك، وقد أفضت به الوسطية إلى مذهب مُيسر، بلا تشدد غال ولا ترخص جاف، هذه الوسطية التي سلكها في نهج موصول: "أن نقدم فكرًا إسلاميًا مرتبطًا بالزمان والمكان والإنسان، موصولًا بالواقع، مشروحًا بلغة العصر، منفتحًا على الاجتهاد والتجديد، من أهله في محله، لا على الجمود والتقليد، جامعًا بين النقل الصحيح والعقل الصريح، محافظًا في الأهداف، متطورًا في الوسائل، ثابتًا في الكليات، مرنًا في الجزئيات، مبشرًا في الدعوة، ميسرًا في الفتوى، مستلهمًا للماضي، معايشًا للحاضر، مستشرفًا للمستقبل، مُرَحِّبًا بكل قديم نافع، منتفعًا بكل جديد صالح، منفتحًا على الحضارات بلا ذوبان، مراعيًا للخصوصية بلا انغلاق، ملتمسًا للحكمة من أي وعاء خرجت، مرتبطًا بالأصل، متصلًا بالعصر".

وهذا النهج الوسطي الرشيد حفر مجراه عبر التاريخ أعلام كبار، حتى تفجر ينبوعًا عذبًا نميرًا سائغًا فراتًا زاوجوا فيه بين الدراية والرواية، وألفوا فيه بين تراث السلف ومعارف الخلف، وهو يمثل في حياتنا المعاصرة في تيار ولود دافق بالحيوية، لا يزال عطاؤه غزيرًا وثماره يانعة، وقطوفه دانية منذ بدايات النهضة العلمية والأدبية والحركية، منذ القرن التاسع عشر الميلادي، ونرجو أن تكون الأجيال الجديدة سائرة على خطى شيخنا الإمام لتعميق الجسور بين أهل العلم وطالبيه، تلاقحًا للأفكار وتبادلًا للتجارب وتجديدًا للعطاء وإبداعًا في المسير.

رابعًا: تكريس العطاء والتعاون بين أطياف التيار الوسطي

ينبغي أن نؤكد دومًا عبر إطارنا النظري وممارستنا العملية أن هذا التيار تيار رحب يضم بين الرؤى واختلاف الاجتهاد ومدارس الإصلاح ومذاهب التجديد ومنازل الحركة وآفاق العمل، فلم يكن يومًا ولا ينبغي أن يكون كتلة صماء ولا تخندقًا في مسلك دون غيره، ولا توقعًا في منحى دون سواه، بل ينبغي أن يكون دومًا ميدانًا فسيحًا متعدد الجبهات، يضع فيه كل عامل مخلص غرسه وفسيله على النحو الذي يوفقه الله تعالى إليه، مراعيًا التكامل والتقاطع مع غرائس وفسائل سائر العاملين المخلصين، ومن شأن هذه النظرة أن تجعل من عمل من العاملين لصالح هذا الدين ولصالح الإنسانية بناء متراكبًا وثيقًا يضع كلٌ لبنته، ومن ثم يكون ثمة رجاء أن يبلغ البنيان يوما تمامه وتصل القافلة إلى غايتها، وحينها يفرح المؤمنون بنصر الله.

خامسًا: الاستفادة من النقد البناء والتلاقح المثري

لقد داوم شيخنا الجليل في أقوال من خالف ومن وافق، إن خالف خالف بحجة وإن وافق وافق بدليل، ولن تخطئك منه كلمة ناصحة أو رأي صائب أو نقد متوازن أو رد جميل.

قرأ شيخنا وتأثر بأفذاذ العلماء من القدامى والمعاصرين، فكان يقدر كلا منهم حق قدره لكنه لا يقدسهم، إذ لا يُقَدِّس الرجال إلا من سفه نفسه، كتب وأثر في أجيال متتابعة فلم يحب أن يتبعه أحد تقليدًا ولا أن يتحاشى صاحب علم نقد علم صاحب علم ونظر، إذ لا يرقى العلم ولا تسمو المعرفة إلا بالنقد البناء والتلاقح المثري، وإن المنصف مهما بدا له أن يختلف مع شيخنا الجليل في مسألة أو في موقف لا يسعه إلا أن يحترمه ويجله؛ لأنه يصدر عن حجة نيرة وبيان عف ومنطق سليم وإنصاف العدو قبل الصديق، وإن من الإنصاف أن يكتال المرء لخصمه بالصاع الذي يكتال به لنفسه، فإن في كل شيء وفاء وتطفيفًا.

وهذان النقد البناء والتلاقح المثري من أهم ما يجب أن نحرص عليه في تقفي أثر شيخنا وإمامنا، وعند تعاطينا مع تراث السلف ومعارف الخلف، مقدرين أهل العلم والفضل دون تقديس أو تبخيس، فليس ثمة من تتقطع الأعناق دون كمالاته سوى المصطفى صلى الله عليه وسلم.

سادسًا: التجافي عن روح العصبية والتقليد

لقد دعا شيخنا الإمام إلى المنهج العلمي القويم، القائم على الاجتهاد لا التقليد، والتزم به هو نفسه فيما أخرج من كتابات وأسهم من نشاطات، وفي هذا نقول للذي يبحث عن الحقيقة وهو مقيد بالتقليد لمذهب أو إمام أو فرقة أو اتجاه لا يخرج عنه شبرًا ولا يحيد عنه قيد أنملة، لم يتعامل مع النصوص والأدلة إلا من حيث هي أدوات لنصرة المذهب المتبوع أو الفرقة التي ينتمي إليها، وإن المقلد المتعصب لما يقلد ليس حرًا في فكره إذا فكر، ولا مستقلًا في بحثه إذا بحث، إنما هو أسير لما التزمه من قبل كما يلمسه كل منصف في عامة المقلدين المنتسبين للفرق العقدية أو المذاهب الفقهية أو المدارس الفكرية أو الجماعات السياسية، إنه لا يفكر برأسه بل برأس غيره.

سابعًا: العمل على بلورة مشروع حضاري متكامل للنهضة الشاملة

إننا نرجو أن تكون لنا بوصفنا المنتسبين لتيار الوسطية، المعقودة عليه آمال للأمة أن تكون لنا إسهامات فاعلة على طريقة النهضة الحضارية الشاملة، بدءًا من الإسهام في تحصيل شروط النهضة إلى شهود ولادة متجددة للأمة، وتصورنا لهذه النهضة الشاملة من التأكيد على أن مشكلة كبوتنا الراهنة ليست في جوهرها العميق مشكلة وسائل وإمكانات مادية بقدر ما هي مشكلة أفكار، أفكار ننظم بها خطانا في ثبات الأديم، وندفع بها طاقاتنا في فضاء العزيمة، ونحشد بها وسائلنا في أرض الإنجاز.

نهضتنا المنشودة وِلادة جديدة للأمة المسلمة، بدأ في جميع المجالات بالعقيدة الدافعة والشرعة الرافعة والمقاصد الحافظة والقيم الحاكمة والأمة الجامعة والسنن الفاعلة والحضارة الشاهدة، من خلال عناصر إيجابية من الجدية والإتقان واستثمار الأوقات واستغلال الموارد الطبيعية والبشرية والتخطيط العلمي، ولا بد في هذا السياق من تحويل الأفكار العظيمة إلى مشروعات، والآمال الطموحة إلى خطط وبرامج، لا بد من توفر شروط تحقيق أمل النهضة كي لا يبقى حلمًا تاريخيًا ولننتقل من دائرة الإمكان الحضاري لدائرة الفعل الحضاري للتداعي إلى تقديم هذا المنهج الوسطي الرشيد مشروعًا حضاريًا متكاملًا لإحياء الأمة الإسلامية والإنسانية بالإسلام، وتجديد دنياها بدينها المتجدد دومًا وأبدًا.

ثامنًا: وقبل الأخير: تمثلات الفكر والعطاء

إن من أعظم السبل التي يلزم سلوكها أن نعمل على ترجمة الأهداف المبتغاة والنتائج المرجوة إلى مشاريع عملية وبرامج تنفيذية نرابط على تنفيذها بالاشتغال بها على ثغور الأمة المختلفة، وجبهاتها المتعددة لتتحصن الأمة بمصدات واقية تعكس بصرًا بالواقع واستشرافًا لغد مشرق مأمول، ولا يكون هذا على النحو الأجود إلا باعتبار مبادئ العمل الجامع بروح الفريق الضامنة فاعلية المؤسسة، استمرارًا واستقرارًا، قدرة وفاعلية، كفاءة وجدارة عبر وضع الإستراتيجيات وتخطيط البرامج واحتضان الكفاءات المتخصصة في مختلف المجالات.

أخيرًا: لنجفف الدموع ونوقد الشموع

ونود في ختام هذه الكلمات عن شيخنا وإمامنا القرضاوي رحمه الله أن نقول لأمتنا بلسان الحال والمقال، إن من وراء كل داجية في تاريخ الإسلام نجمًا بالهداية يشرق، وصوتًا بالنهضة يهتف، يعيش شاهدًا ويمضي أملًا، تاركًا بعده ما تترك الشمس من شعاع يهدي السائرين المدلجين إلى حين، وإن شيخنا الإمام القرضاوي نجم مشرق وصوت هادف وشعاع هادي، فلنجعل من فكره وآثاره ودعوته منهجًا وقدوة وفرصة لتجفيف الدموع وإيقاد الشموع واستراحة يجب أن تطول من البكاء على الأطلال والهروب إلى ماض لن ينفعنا إلا بما حصلنا من روحه.

فـإن تكـن الأيـامُ فيـنا تَبـَدَّلَتْ  **  بِـبُؤْسى ونُعْمى والحوادثُ تَفعلُ

فـما ليَّـنَت منَّـا قنـاةً صـليـبةً  **  ولا ذلَّلـتْـنا للتي ليـس تجْمُلُ

ولكن رحـلنـاها نفـوساً كريـمةً  **  تُحمَّـلُ ما لا يُستـطاعُ فتحملُ

وقَيْنا بحسن الصبر منا نُفـوسَنا  **  فَصَحّتْ لنا الأعراضُ والناسُ هُزَّل

.....

- المصدر: الجزيرة نت، 18-10- 2022