وائل قنديل

انتظر المصريون أن يخرُجَ عليهم مسؤولٌ بقرار قاطع عن سحب المشروع المقدّم إلى البرلمان بشأن قناة السويس، ليحسم الجدل ويبدّد المخاوف مما يحيق بقناة الشعب من مخاطر على مذبح الخصخصة. لكن رئيس هيئة القناة، الفريق أسامة ربيع، العائد إلى خدمة النظام بعد إبعاد عنيفٍ عقابًا على الفشل في مواجهة الإرهاب في سيناء، عقد مؤتمرًا صحافيًا أكّد هذه المخاوف، وأثبت صحّة تخوفات المصريين على قناتهم المحفورة بعظام أجدادهم، إذ قال بوضوح إن المطروح على المستثمر الأجنبي هو صندوق هيئة القناة، وليست القناة نفسها، زاعمًا أن"صندوق الهيئة منفصلٌ عن القناة"، ثم قال في الجملة ذاتها إن "من المهم وجود صندوق للاستثمار لزيادة العوائد إلى القناة لذا سنقيم مشروعات جيدة وعملاقة للدولة وللقناة". 
هناك خللٌ منطقي هنا، إذ كيف يكون صندوق القناة منفصلًا عن القناة، ثم تؤول عوائد استثماره إلى القناة؟ مع الأخذ في الاعتبار أن الاستثمار في صندوق القناة سيكون متاحًا للمستثمر الأجنبي، الذي يدخل مالكًا وشريكًا في أسهم هذا الصندوق، صندوق القناة الذي يريدون منا أن نصدّق أن لا علاقة له بالقناة.
أدلى الفريق ربيع بهذه التصريحات بأوامر من الجنرال عبد الفتاح السيسي، صاحب مشروع الصندوق، والمسؤول الأول والوحيد عنه، في محاولةٍ لتمرير أسوأ نتائج التبعية لصندوق النقد الدولي، مردّدًا عباراتٍ رنّانة من نوعية "لن نسمح للمستثمر الأجنبي بالاقتراب من السيادة على قناة السويس"، وهذا قولٌ يجافي العقل، بالنظر إلى أنه لا يمكن الفصل بين صندوق القناة والقناة، وبالتالي من يشتري الصندوق سيكون، بشكل أو بآخر، صاحب سيادة وقرار فيما يخصّ هذا الصندوق.
تعلمنا من المنطق والتاريخ أنك لا يمكن أن تبيع شيئًا ثم تحتفظ بالسيادة الكاملة عليه، وإلا سيتحوّل الأمر إلى نكتة أو أغنية ساخرة، تشبه رائعة الراحل العظيم سيد درويش قبل قرن، حين غنّى"سرقوا الصندوق يا محمد لكن مفتاحه معايا"، لتتحوّل المسخرة إلى واقع يقول "نبيع صندوق القناة للأجنبي لكننا نحتفظ بمفتاحه".
الارتباك والتلعثم واضحان في تعاطي النظام المصري مع كارثةٍ محدقة بقناة السويس، التي قرّروا وضعها في صندوق، ثم عرضوا الصندوق للبيع أو الشراكة مع الأجنبي مع الاحتفاظ بالمفتاح، هذا هراءٌ لا يمكن تصوره عقلًا حتى في بيع صندوق بريد إلكتروني أو حساب على تويتر، ذلك أنه لا يوجد مجنون يمكن أن يشتري منك حسابًا إلكترونيًا ويترك لك "الباسوورد".
لو لم يكن الأمر محاولةً لتبرير وتمرير ما لا يمكن قبوله وتصوّره لما أسرعوا إلى إعدام تصريحات لرئيس هيئة القناة السابق، مهاب مميش، تضمّنها حوار على موقع صحيفة يومية تابعة للنظام بعد سويعاتٍ من نشره، لاشتماله على وجهة نظر رافضة لمبدأ الاقتراب من قناة السويس وهيئتها ببيعها للمستثمرين الأجانب أو حبسها في صندوق منفصل.
من مظاهر الارتباك والتلعثم، كذلك، أن يصدُر بيان من رئاسة الحكومة يتحدّث في أوله عن شائعات مغرضة بشأن خصخصة هيئة القناة، لكنه، في نهايته، يؤكّد أن الشائعة ليست شائعة، وإنما حقيقة، حين يقول إن "إنشاء صندوق مملوك لهيئة القناة هدفه المساهمة في التنمية الاقتصادية المستدامة لمرافق الهيئة، وستخضع كافة حسابات الصندوق لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات". لكن البيان نسي أن يضيف أنه لو اعترض الجهاز المركزي للمحاسبات على حسابات الصندوق، أو أشار إلى خلل فيها أو عوار أو انحراف، فإن رئيسه سيواجه مصيرًا يشبه مصير الرئيس السابق لجهاز المحاسبات، المستشار هشام جنينة، القابع في السجن حاليًا بعد شلحه من منصبه وضربه وسحله في الشارع على أيدي مواطني السلطة، ولا يعلم أحدٌ متى يخرج من عتمة الزنزانة وبردها.
ما العمل إذن، وقد بانت وتأكّدت نية النظام في الاقتراب شيئًا فشيئًا من قناة السويس، بوضعها في الصندوق أولًا، ثم طرح الصندوق للخصخصة والاستثمار، ثم بعد حين بيع الصندوق بما فيه لمن يدفع أكثر؟
أحسب أن ما يجري الآن يسقط ورقة التوت الأخيرة عن هذه السلطة، ويضع تلك المعارضة اللطيفة أمام اختبارٍ تاريخي، فإما أن تبقى مشاركة في كل هذا الخراب وتواصل جلوسها على موائده في "حوار وطني" لا طائل من ورائه سوى تجميل القبيح من السياسات وتمرير الأقبح من الإجراءات، أو تغسل يدها من ذلك كله وتتوجه بخطابها إلى الجماهير، التي هي الخاسر الأول والأكبر من هذا الجموح في عرض أصول الوطن للبيع.

المصدر: العربي الجديد