تتوالى التقارير الدولية التي تحذر من سوء أوضاع الاقتصاد المصري، ما يثير المخاوف على مستقبل أكثر من 105 ملايين مواطن يعانون بسبب ما تصفه تلك التقارير وخبراء الاقتصاد بالسياسات الخاطئة لنظام الانقلاب بقيادة عبدالفتاح السيسي، بإغراق البلاد في الديون الخارجية.

وتعاني مصر من أزمات تتزايد تعقيدا، مع تفاقم ديون خارجية بلغت 162.9 مليار دولار بنهاية ديسمبر الماضي، وسط مطالبات بدفع التزامات بالعام المالي الجاري 2022-2023، بنحو 20.2 مليار دولار، وهي الأزمة التي يفاقمها هروب الاستثمارات الخارجية والمال الساخن، مع شح الدولار وتغوله على قيمة العملة المحلية.

أزمة سداد الديون

آخر تلك التقارير صدرت الخميس الماضي، عن بنك "ستاندرد تشارترد"، من قلب العاصمة البريطانية لندن، والذي حذر من "تحديات صعبة" تواجه اقتصاد مصر بالسنوات المقبلة، وقرب "نفاد الوقت"، لإنقاذ البلد العربي الواقع في الشمال الشرقي لقارة أفريقيا من أزماته مع الديون الخارجية.

وفي تقرير بعنوان "مصر.. الوقت ينفد"، قال البنك إن "قدرة البلاد على سداد ديونها مهددة بسبب ضعف التدفقات الخارجية من غير الديون والاستثمارات، وتراجع تدفقات الأموال من دول الخليج، قبل إجراء إصلاحات هيكلية".

البنك متعدد الجنسيات، والذي حصل على رخصة رسمية للعمل في مصر خلال النصف الثاني من العام الجاري، لفت إلى أن على القاهرة استحقاقات ديون بقيمة 100 مليار دولار على مدى السنوات الأربع المقبلة، بمعدل 25 مليار دولار كل سنة.

وتوقع البنك أن تلجأ مصر لمزيد من الاقتراض لتتمكن من سداد مستحقاتها الخارجية، وأن تطالب حكومتها بإعادة هيكلة الديون المستحقة، وكذلك يعتقد أن مصر ستلجأ لبيع مزيد من الأصول الحكومية والعامة لدول الخليج العربي.

ويرى البنك أن خيار الاقتراض الخارجي مجددا، وخيار بيع الأصول، صعب حدوثهما في ظل الظروف الحالية، في إشارة إلى أن الحلول المصرية المحتملة غير ذات جدوى في حل أزمة تأخر سداد ديون مصر الخارجية.

لكن، وفي الوقت ذاته أكد "ستاندرد تشارترد"، على أهمية المراجعة الدورية لصندوق النقد الدولي والمتوقعة بالربع الثالث من العام المالي الجاري 2023، لتحديد مستقبل التصنيف الائتماني للقاهرة وطمأنة المستثمرين.

ودعا للإسراع في بيع الأصول العامة المملوكة للدولة، لتوفير التمويل الخارجي، وإبطاء استنزاف احتياطيات العملات الأجنبية، وإقناع صندوق النقد بالتزام مصر بالإصلاحات.

توقيت التقرير

ويأتي تقرير "ستاندرد تشارترد"، بعد يومين من دعوة قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي، الثلاثاء الماضي، مؤسسات الإقراض الدولية إلى تسهيل شروط حصول الدول متوسطة ومنخفضة الدخل على قروض.

كما يأتي في اليوم ذاته الذي أكدت فيه وكالة "رويترز"، على لسان مسئولين حكوميين وتجار ومستوردين أن الحكومة المصرية أكبر مستورد للقمح بالعالم تؤجل سداد ثمن وارداتها من القمح منذ ديسمبر الماضي، بفعل أزمة شح الدولار.

كذلك يأتي صدور تقرير "ستاندرد تشارترد"، في ظل تأخير صندوق النقد الدولي مراجعته الدورية لما يسميه عمليات الإصلاح للاقتصاد المصري، واعتراض الصندوق على بطء الإصلاحات الاقتصادية وملف بيع الأصول.

وهو ما يتزامن مع تراجع الاستثمارات الخليجية بمصر، وتعثر صفقات استحواذ الصناديق السيادية والشركات الإماراتية والسعودية على نحو 32 شركة عامة تطرحها القاهرة بالبورصة وأمام مستثمرين استراتيجيين، منذ مارس الماضي.

كما يأتي تقرير البنك عقب تخفيض وكالات التصنيف الدولية تصنيف مصر الائتماني، حيث خفضت "ستاندرد آند بورز"، في 22 أبريل الماضي، نظرتها المستقبلية لاقتصاد البلاد من مستقرة إلى سلبية.

وفي 6 مايو الجاري، خفضت "فيتش"، تصنيف مصر من (+B) إلى (B)، مع تحويل نظرتها المستقبلية إلى سلبية، فيما وضعت "موديز"، في 10 مايو الجاري، قدرة مصر على الوفاء بالالتزامات طويلة الأجل بالعملة الأجنبية والمحلية، على المراجعة لخفض التصنيف.

الحلول محدودة

وفي رؤيته لخطورة تقرير "ستاندرد تشارترد"، في هذا التوقيت الذي تعجز فيه القاهرة عن توفير العملة الصعبة لاستيراد السلع الاستراتيجية وخاصة القمح، أكد الكاتب والباحث الاقتصادي محمد نصر الحويطي، أن "الظروف التي يعيشها الاقتصاد المصري صعبة للغاية".

وحول الحلول المتاحة أمام نظام الانقلاب غير بيع الأصول والاقتراض الخارجي، مع صعوبة هذين الحلين وفق بنك "ستاندرد تشارترد"، أضاف لـ"عربي21"، أن "البدائل والحلول محدودة جدا".

ويرى رئيس تحرير جريدة "الميزان الاقتصادي"  أن "الحلول تتلخص في مزيد من الاقتراض بفوائد عالية، أو الحل النموذجي، وهو طرح وبيع بعض الشركات والحصص، لتقليص الفجوة الدولارية".

وقال إن "الحكومة المصرية تعمل بكل ما تملك من قدرات وعلاقات خارجية على إقناع بعض الحلفاء العرب بشراء بعض الحصص والشركات، كما تطلب وساطتهم في التفاهمات بين مصر، من جانب، وبين صندوق النقد، وبعض المقرضين، من جانب آخر".

أرقام مرعبة

تقرير "ستاندرد تشارترد"، قدم رصدا للديون المستحقة على القاهرة خلال 5 سنوات، وفقا لبيانات صندوق النقد الدولي، معلنا أنه على مصر سداد 13 مليار دولار للصندوق بالسنوات الأربع المقبلة.

ولفت إلى أن مصر مدينة بأكثر من 36.7 مليار دولار كقروض متوسطة الأجل خلال نفس الفترة، بينها سندات مقومة باليورو بقيمة 13.6 مليار دولار.

وأكد أن احتياجات مصر التمويلية الخارجية تبلغ 23.6 مليار دولار خلال العام 2023، ونحو 24.2 مليار دولار في 2024، وحوالي 29.7 مليار دولار عام 2025، وقيمة 19.9 مليار دولار عن العام 2026، وأيضا 20.8 مليار دولار في 2027.

أسباب الفجوة

وفي رؤيته، قال الباحث في الاقتصاد السياسي والتنمية والعلاقات الدولية الدكتور مصطفى يوسف، لـ"عربي21"، إن "الفجوة الدولارية والتمويلية في مصر نتيجة أمرين، أولهما: عزوف المستثمرين المحليين عن الاستثمار في أدوات الاستثمار المحلي".

مدير المركز الدولي للدراسات التنموية، أضاف: "فلا أحد يثق في النظام المصرفي أو النظام السياسي أو إدارة الاقتصاد بشكل عام، نتيجة لهيمنة المؤسسة العسكرية على مقدرات الاقتصاد منذ سيطرة العسكر على البلاد في 2013".

ولفت إلى أن السبب الثاني في تلك الفجوة، هو "تراجع دعم الداعمين الإقليميين لنظام السيسي من دول الخليج وبعض الدوائر التي تنتمي إلى اليمين المتطرف بدعم مباشر من الكيان الصهيوني، بعدما دعموا نظام الانقلاب بشكل ضخم ومبالغ فيه، حتى بداية انكشاف الفشل والانهيار الاقتصادي".

وأكد أن "كل هذه الأمور مجتمعة أدت لانهيار العملة المصرية ونقص الموارد الدولارية وفقدان الثقة في الاقتصاد، وبناء عليه كان ينبغي أن يتم تمويل هذا العجز عن طريق زيادة صافي تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة".

خطايا النظام

وأوضح الخبير المصري المقيم في كندا، أن "هناك فارقا بين الاستثمار الأجنبي المباشر وبين بيع أصول الدولة، حيث أن هذا الأخير يؤدي ليس لحل المشكلة بل زيادتها"، ضاربا المثل، بـ"بيع شركة ما كانت تنتج وتصدر وتقدم دولارا لخزينة الدولة وبها عمالة مصرية وعند بيعها لمستثمر أجنبي فإن كل الأرباح تدخل حسابه في الخارج".

وألمح إلى أن "النظام يلجأ لهذا الحل لعدم وجود حلول من وجهة نظره، رغم توسعه في المقابل بالإنفاق العسكري بلا ضرورة ملحة، بدلا من الاكتفاء الذاتي من القمح الذي كان مقررا بعهد الوزير المعتقل باسم عودة، والذي تستورده البلاد الآن بملايين الدولارات".

وأشار إلى زيادة فاتورة واردات الأغذية نتيجة أزمة السد الإثيوبي وشح المياه وما يترتب عليه من نقص الموارد الغذائية"، لافتا لأزمة أخرى تراجع على إثرها دخل البلاد من العملة الصعبة وهي "فقدان العاملين بالخارج الثقة في النظام وتراجع تحويلاتهم السنوية".

وقال إن "أي مشكلة دولية مثل حرب روسيا وأوكرانيا، وأزمة فيروس (كورونا) سببت بعض المشاكل؛ لأنه ليس هناك مرونة، والاحتياطيات بالبنك المركزي أغلبها خليجية، والحكومة لا تقدر على تراكم احتياطيات مملوكة للدولة".

وأكد أن "ذلك يستتبعه انصياع كامل من الدولة للشركاء الإقليميين، خاصة بمسألة بيع الأصول، وكذلك الانصياع الكامل لتعليمات صندوق النقد الدولي، على عكس ما قامت به دول مثل ماليزيا وتركيا التي سارت تماما بعكس وصفات الصندوق".

وأشار إلى "إنفاق النظام على مشروعات دون أي أولية أو أهمية ودون إجراء حوارات مجتمعية حولها، مثل صرف أكثر من 59 مليار دولار على العاصمة الإدارية الجديدة، وما تبعها من مشاريع إبهارية دون أن يكون لديك فوائض مالية، ما أدى للاقتراض وبيع أصول الدولة التي كانت تدر عليك عوائد".

تجربة المغرب

يوسف، وفي مقارنة بين حالة الفشل الاقتصادي الذريع في مصر وبين النجاح الاقتصادي بالمملكة المغربية، قال إن "تجربة المغرب رائدة مثل سنغافورة وتركيا وماليزيا، خاصة بقطاع السيارات، لا سيما الكهربائية منها، والتي تجاوزت صادراتها 10 مليارات دولار العام الماضي".

وأوضح أن "تجربة المغرب الاقتصادية متكاملة، بين قطاع السيارات الكهربائية والهيدروجينية بإمكانيات مغربية، وتصدير الفوسفات وتصنيعه، مع تنمية زراعية، وسياحية"، ملمحا إلى أن "المغرب الآن من الوجهات السياحية التي لا تقل عن تركيا وإسبانيا وفرنسا وأمريكا".