يخوض الإخوان المسلمون معركة انتخابات التجديد النصفي لأعضاء مجلس الشورى لهذا العام، ويبلغ عدد مقاعد هذه الجولة ثمانيةً وثمانين مقعدًا في أنحاء الجمهورية، وكانت الجماعة قد حدَّدت مشاركتها بحوالي عشرين مرشحًا، غير أنه لظروف الحصار والمنع القسري وإغلاق أبواب تلقِّي الطلبات عنوةً أمام الراغبين من الإخوان في المشاركة.. فلم يقبل غير سبعة عشر مرشحًا، وهو عددٌ- كما نرى- قليلٌ، وقد يؤدي إلى نوع من الطمأنينة لدى القوى السياسية، وعلى رأسها الحزب الوطني الحكومي، والقوى الأمنية كذلك.

 

صحيح أن العدد المقبول لا يتناسب مع طموحات كثير من الإخوان في مختلف بلادهم ومحافظاتهم بحكم أنهم موجودون في أماكن كثيرة ونواحٍ شتَّى من هذا الوطن، ومع ذلك فنحن نتمنَّى من كل قلوبنا أن تتاح الفرصة لهذه المعركة الانتخابية- وبهذا العدد القليل- أن تكون نموذجًا للطهارة والشفافية، وأن ترفع يد الأمن عن المرشحين ومؤيديهم من جماهير الناس، وألا يفرَّق بين "الوطني" و"المستقل"- سواءٌ من الإخوان أو غيرهم- في أمور الإعلان والدعاية والحركة بين الناس لعرض البرامج والتعريف بالمرشحين، وأن يكون هناك تكافؤٌ للفرص ومساواةٌ في التعامل، ولا نسمع- كما بدأنا نسمع- عن تعمُّد تقطيع وإتلاف دعاية مرشحين معينين (الإخوان مثلاً)؛ بحيث لا تبقَى إلا لحظاتٍ معدوداتٍ، وتنشق الأرض عن مجموعات أمنية محددة، كل مهمتها عدم ترك دعاية الخصم السياسي!!

 

ولو تم تفكير هؤلاء للحظة واحدة لكان الأجدى والأحرى والأنفع للنظام والحزب الوطني والأمن كذلك أن يترك هذه الأفعال والتصرفات التي عفا عليها الزمن وتجاوزتها الأيام وسبقها بمراحل الحراك السياسي والوعي الفكري والحس الراقي، الذي شمل المثقف وغير المثقف.. المتعلم والأميّ.. الحضري والريفي.. الرجل والمرأة.. الصغير والكبير.. وكل فئات المجتمع المصري العظيم بمختلف ألوانه ومشاربه وأطيافه.

 

أقول إن المجتمع المصري كان- وما يزال- ينتظر معركةً انتخابيةً تسمو إلى المستوى الذي انتهت إليه المناقشات والمشاركات للرأي العام إبَّان الحوارات التي احتدمت عند مناقشة التعديلات الدستورية، وما تمخَّضت عنه من استبعاد الإشراف القضائي الكامل (قاضٍ لكل صندوق) إلى تشكيل لجنة عليا لإدارة العملية الانتخابية، من قضاة وغيرهم من الشخصيات العامة، فهل ستتحقَّق العدالة فعلاً بين جميع المرشحين؟! وهل سيبتعد رجال الأمن عن اللجان ويكون دورهم فقط هو حفظ الأمن خارج اللجان؟! وهل ستتحقَّق الحيدة الكاملة أو النسبية بين المرشَّحين على اختلاف توجهاتهم ومشاربهم السياسية؟!

 

ولا شكَّ أن ما سيتم في انتخابات الشورى هو "سيناريو" قابل للتطبيق في الانتخابات المحلية أو النيابية القادمة.

 

وإذا كان المرشحون من الإخوان والمستقلين يعانون أشدَّ المعاناة في حركتهم ومرورهم على جماهير دوائرهم، وصعوبة الإبقاء على مفردات دعايتهم من لافتات وبوسترات وخلافه.. فماذا سيكون الحال في الأيام المقبلة وفي يوم الانتخابات نفسه، وفرز الأصوات، وإعلان النتائج.. إلخ!!

 

ومع ذلك كله فإننا نطرح التشاؤمَ جانبًا، ونتعامل مع القضية بنوع من الأمل والفأل الحسن، وأن يكون للرأي العام الناهض والمستنير الإصرار على خوض المعركة، مهما كانت ظروف قسوتها، وعدم ترك الساحة خاليةً من المعارضة الجادَّة والمنافسة الشريفة؛ لأن في ذلك تكريسًا للأحوال وإقرارًا للواقع، دون أن تكون هناك لمحةُ ضوءٍ في نهاية النفق المظلم للإصلاح المنشود ودحر جذور الفساد.

 

ويرى الإخوان استمرارية رفع شعارهم الأثير (الإسلام هو الحل)، وهو شعار يمثِّل برنامجهم وقناعاتهم من واقع فهمهم الصحيح للإسلام، ولأنه لا يخالف الدستور ولا يتعارض مع المادة الخامسة، ولأنه قد صدرت أحكامٌ بذلك من المحكمة الإدارية العليا؛ حيث حسمت بعدم مخالفة ذلك للدستور، وخاصةً المادة الثانية منه، التي تنص على أن "دين الدولة الرسمي الإسلام".

 

إن هذا الشعار "الإسلام هو الحل" قد أصبح بحكم وجوده على الساحة السياسية أكثر من عشرين عامًا أمرًا ضروريًّا؛ لِمَا له من عمق وجداني في قلوب الناس، وحبهم له، وتمسكهم به، واحترامهم لمن يحمله أو يدعو إليه، ولأنهم قد لمسوا عيانًا بيانًا أن عددًا كبيرًا ممن خاضوا الانتخابات النيابية تحت هذا الشعار كانوا عند حسن الظن بهم، وقاموا بدورهم الإيجابي في حمل هموم مواطنيهم، وحلّ مشاكلهم، والالتصاق بهم، ومخالطتهم،  والوقوف بجانبهم في أفراحهم وفي أتراحهم، ونصرة المظلوم.

 

ثم هم من الناحية الذاتية وقفوا في وجه الظلم والمفاسد، ولم يتاجروا في السموم والمسرطنات والكيف، ولم يحصلوا على قروض بدون ضمانات من البنوك، ولم يكوِّنوا ثروات غير معروفة المصدر، ووقفوا مع الحريات العامة، وإنهاء العمل بقانون الطوارئ الذي أذلَّ الأعناق أكثر من نصف قرن من الزمان، ووقفوا ضد التأبيد في السلطة أو الكراسي، حتى يتم فتح النوافذ والسماح للدماء الجديدة والمتجددة لإصلاح شأن الأمة ورفع مكانتها وقيمتها في كل المحافل والمنتديات.

 

ودعنا نسأل: لماذا كان الإسلام هو الحل؟! وبسرعة وتلقائية تبرز أمام أعيننا إجابةٌ واضحةٌ محددةٌ، تقول إن الإسلام هو دينُ الفطرة، ومتوائمٌ مع خلقة الإنسان وتكوينه، ثم هو دينٌ واقعيٌّ، وجاء للناس كافةً، فهو عالميٌّ، وهو جاء لتحقيق خيرَي الدنيا والآخرة للناس، ثم هو يحقق الحرية الصحيحة للإنسان، فالعبودية لا تكون إلا لله وحده، ومقولة "ربعي بن عامر" رضي الله عنه يتمثَّل فيها هذا المضمون بأجلَى معانيه، عندما قال لرستم- قائد الفرس-: "جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد".

 

وهو ليس مجرد شعار يُرفع عند الحاجة أو المناسبة المعنية، وإنما هو برنامج ممتد مع الزمن، وكفيل بإذن الله- إذا أتيح له أن يعمل ويمارس دوره الرائد- أن يحوِّل حياةَ أهله إلى أحسن حال وأكرم معيشة وأفضل مستوى في كل مجالات الحياة.. الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والفكرية والتربوية والتعليمية، إلى غير ذلك من مفردات الحياة.

 

ولا تكون الحركة والدعاية بشعار (الإسلام هو الحل) مقصورةً على وسائل الدعاية التقليدية، من بوستر ولافتة وغير ذلك، وإنما تتجاوز إلى إشاعة الروح العامة في جماهير الناس، إلى تجسيد هذا الشعار في سلوك وأخلاق وسيرة من يحملونه ويخالطون الناس وذويهم ليل نهار، يؤثِّرون في الناس بأخلاقهم وواقعهم المعاش، فهذا أكبر إعلان وأعظم دعاية لهذا الشعار، فماذا يجدي وينفع مَن يرفع هذا الشعار وسلوكه مناقض لدعواه؟! فهو بذلك يكون وبالاً- والعياذ بالله- على نفسه وجماعته وشعاره.

 

إذن فيجب الالتزام بالأحوال قبل الأقوال، وقديمًا قالوا: "حال رجل في ألف رجل خيرٌ من كلام ألف رجل في رجل واحد".

 

إن مرشحينا سيلتزمون بتجسيد هذا الشعار بالأقوال والأفعال بإذن الله، في حركاتهم واتصالاتهم بالناس، أكثر من اهتمامهم بالأمور المرتبطة بالوسائل التقليدية التي بدأنا نشاهد تصدي بعض الجهات لإزالتها وتمزيقها بمجرد رفعها أو تعليقها، وليس معنى ذلك التقليل من شأن هذه الوسائل، ولكن ماذا نفعل؟! فإلى الله المشتكى.