ليس الضحك حاجةً فرديةً فقط، فهو- أيضًا- حاجة جماعية لا تستغنى عنه الجماعة، ولا غنى للمجتمع- أي مجتمع إنساني- عن الضحك، للدور الذي يؤدِّيه والأهداف التي تتحقق من خلاله.

 

فاستخدام التهكم والسخرية كان "... من الأسلحة القديمة في تاريخ الأدب قبل تاريخ الصحافة، ولا غنى عنه مطلقًا في التعبير عن السخط على أمرٍ معين أو الضيق بأمر معين، وسواء صدر هذا السخط عن فردٍ أو شعبٍ أو حكومةٍ أو جماعةٍ من الناس ضد جماعة أخرى".

 

فالسخرية والتهكم هما الأداة الطيّعة- على مرِّ العصور- في أيدي الجماعات والشعوب؛ تُعبِّر من خلالها عن مواقفها الساخطة ضد ما يمرُّ بها من أحداث وتفاعلات على المستوى الاجتماعي والسياسي.. وكذلك هي من أدوات العقاب التي تنزله الجماعة بكل مَن يشذ عن قوانينها.. فمن أخطر الأهداف المنوطة بالضحك، التي تحقق إلاَّ من خلاله أنه: "السيف المصلت الذي تسلطه الجماعة على رقاب الخارجين على معاييرها الجمعية، وآدابها العامَّة، وكلّ مَنْ تحدّثه نفسه بالخروج على قوانين الجماعة وأساليب سلوكها، فإنه لا بد من أن يستهدف لسخريتها اللاذعة وضحكها الموجع".

 

وليست هذه هي الفائدة الوحيدة التي يحققها الضحك للمجتمع، فإنْ كان للضحك "صبغة محافظة من حيث هو أداة نواجه بها الأجنبي، فإنه على العكس من ذلك قد يقوم بوظيفة النقد والإصلاح بالنسبة إلى الجماعة ذاتها؛ لأنه بسخريته من العادات البالية، والتقاليد العتيقة إنما يعمل على خلق جوٍّ جديدٍ في صميم الجماعة"، وأيضًا فإن "الضحك يساند الطبقات العليا في نزوعها نحو استبقاء ما لها من امتيازات، ولكنه في الوقت نفسه يحدّ من غروها ويطامن من صلفها... ولكن الضحك أيضًا هو الثأر السلمّي العادل لجماعة الضعفاء من أطفال، ونساء، وعمال؛ لأنه في أيديهم كأمضى سلاح".

 

ويقسم علماء النفس الضحك إلى أنواع متعددة من حيث الوظائف الاجتماعية التي يقوم بها؛ فهناك ضحك الترحيب أو الاستقبال، وهناك ضحك الطرد أو الاستبعاد، وغير ذلك.

 

ولا يمكننا أن نُحصي الدور الذي يؤدّيه "الأدب الفكاهي" في المجتمع، فبالإضافةِ لما قد سبق، نجد أنه يمكن أن يكون أداة طيّعة في أيدي الدَّاعين للخروج على قيم المجتمع ومعتقداته، كما كان يفعل شعراء الزندقة الدينية في العصر العباسي، مستخدمين الفكاهة لترويج معتقداتهم الضالة.

 

وفي المقابل نجد أن السخرية لأهميتها وخطورة دورها في تثبيت أركان المجتمع؛ وذلك ببثّ روح الاستعلاء على الأعداء بالسخرية منهم، والاستهزاء من عقائدهم، وتصرفاتهم، وما إلى ذلك؛ فقد استخدم القرآن الكريم السخرية كأحد الأسلحة الفعَّالة في معاركةٍ مع أعدائه ومع المنافقين والمثبطين وغيرهم.

 

وكما أنَّ الضحك حاجة إنسانية لا غنى للفرد عنها، فإنه- أيضًا- حاجة اجتماعية لا غنى للمجتمع عنها، بل إن "برجسون" يذهب إلى أن الإنسان ما كان ليعرف الضحك لو كان وحيدًا "فضحكنا هو أبدًا ضحك جماعي.. فالضحك مهما نفترضه صريحًا، إنما يخفى وراءه تفاهمًا، وأكاد أقول تآمرًا مع ضاحكين أُخر، حقيقيين أو خياليين، ولطالما قيل إنَّ ضحك المشاهد في المسرح يكون أشدّ كلما كانت القاعة أغصُّ بالناس، ولطالما لُوحظ أيضًا أنَّ بعض الآثار المضحكة لا يمكن ترجمتها من لغةٍ إلى أخرى، فهي مرتبطة بما أَلِفَهُ متجمع خاص من عادات وأفكار".

 

يفضي بنا ما ذهب إليه "برجسون"- من ضرورة المشاركة في الضحك- إلى ما يُعرف باسم ظاهرة (الإشعاع السيكو- فزيائي) التي تجعل من الضحك "ظاهرة مُعدية"؛ حيث "إننا ما نكاد نندمج في وسط جماعةٍ ضاحكةٍ حتى ننفجر ضاحكين، حتى قبل أن نعرف السبب في ضحك الضاحكين من حولنا!".

 

ولأهمية هذه الظاهرة، ولضرورة المشاركة لإتمام عملية الضحك على الوجه الأمثل- إن جاز التعبير- يلجأ العديد من مخرجي التمثيليات والبرامج الفكاهية إلى إضافة أصوات ضحكات لجمهور مستعار تدفع المتلقي، نحو الضحك، لما تبعثه في نفسه من شعور بمشاركة الآخرين له في الضحك.

 

ولقد التفت "الجاحظ "- كعادته- إلى ملاحظة هذه الظاهرة وتسجيلها؛ لأن "ضحك من كان وحده لا يكون على شطر مشاركة الأصحاب".

--------

أهم المصادر و المراجع :

- سيكولوجية الفكاهة والضحك- د. زكريا إبراهيم- مكتبة مصر- 1988م.

- الضحك، بحث في دلالة المضحك- هنري برجسون- ترجمة د. سامي الدروبي ود.عبد الله عبد الدايم- دار اليقظة العربية- دمشق- 1964م.

- البخلاء: الجاحظ- تحقيق أحمد العوامري وعلي الجارمدار- دار الكتب العلمية- بيروت، 1983م.