حينما بدأ الإمام الشهيد حسن البنا دعوته عام 1928م حدَّد معالمها وأهدافها ووسائلها منذ البداية؛ فقال عن طبيعة الإخوان المسلمين: إنها "هيئة إسلامية جامعة"؛ بمعنى أنها تسعى إلى أن تحيط بالإسلام من جميع جوانبه في المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتربوي والرياضي والثقافي؛ فهي دعوةٌ سلفيةٌ؛ إذ تدعو إلى العودة إلى الإسلام وإلى معينه الصافي (الكتاب والسنة)، وحقيقةٌ صوفيةٌ؛ تعلم أن أساس الخير طهارة النفس، ونقاء القلب، وسلامة الصدر، والمواظبة على العمل، والإعراض عن الخلق، والحب في الله، والأخوَّة فيه سبحانه وتعالى.

 

وهي هيئة سياسية؛ تطالب بالإصلاح في الحكم، وتعديل النظر في صلة الأمة بغيرها من الأمم، وتربية الشعب على العزة والكرامة.

 

وهي جماعة رياضية؛ تعتني بالصحة، وتعلم أن المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وتلتزم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن لبدنك عليك حقًّا"، وبأن تكاليف الإسلام كلها لا يمكن أن تُؤدى إلا بالجسم القوي، والقلب الذاخر بالإيمان، والذهن ذي الفهم الصحيح.

 

وهي رابطة علمية وثقافية؛ فالعلم في الإسلام فريضة يحض عليها وعلى طلبها ولو كان في الصين، والدولة الفتية تنهض على الإيمان والعلم.

 

وهي شركة اقتصادية؛ فالإسلام يُعنَى بتدبير المال وكسبه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "نعم المال الصالح للرجل الصالح"، و"من أمسى كالاًّ من عمل يده أمسى مغفورًا له".

 

كما أنهم فكرة اجتماعية؛ يعنون بأدواء المجتمع، ويحاولون الوصول إلى طرق علاجها وشفاء الأمة منها.

 

ويمكن أن نقول إن الإسلام في فهم الإخوان المسلمين انتظم كل شئون الحياة لكل الشعوب، والأمم في كل عصر، وزمان ومكان، وجاء أكمل وأسمى من أن يعرِض لجزئيات هذه الحياة، خصوصًا في الأمور الدنيوية البحتة؛ فهو إنما يضع القواعد الكلية لكل شأن، ويرشد الناس إلى الطريقة العملية للتطبيق عليها، والسير في حدودها.

 

وبناءً على ذلك يتضح أن العمل السياسي لدى جماعة الإخوان المسلمين جزءٌ من نشاطهم العام بالمقارنة بغيرهم من الأحزاب والقوى السياسية الأخرى التي تعمل في المجال السياسي فقط، ومن هنا يأخذ البعض على جماعة الإخوان، دون علمٍ ومعرفةٍ بطبيعة دعوتهم، أنهم يخلطون الدين بالسياسة، ويدَّعون أنهم يحتكرون الدين لأنفسهم، وهذا مخالفٌ لكل أدبيات الإخوان التي تقول إنهم جماعة من المسلمين صاحبة مشروع حضاري لنهضة الأمة، وليست جماعة المسلمين.

 

والبعض الآخر يرى أنهم يسعون للوصول إلى الحكم باستخدام الدين، وأنا أقول: ما الضير في ذلك أن يسعى الإخوان مثل غيرهم لإصلاح الحكم؟! أم أنه مقصور على فئة معينة دون غيرها؟! وكما قال الشاعر:

حرام على بلابله الدوح        حلال له من كل جنس!.

 

وقد عبَّر الإمام البنا عن ذلك منذ أكثر من نصف قرن بقوله: "الإخوان المسلمون يسيرون في جميع خطواتهم وآمالهم وأعمالهم على هدي الإسلام الحنيف كما فهموه، وهذا الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركنًا من أركانه، ويعتمد على التنفيذ كما يعتمد على الإرشاد.

 

وعلى هذا فالإخوان المسلمون لا يطلبون الحكم لأنفسهم؛ فإن وجدوا من الأمة من يستعد لحمل العبء وأداء هذه الأمانة والحكم بمنهج إسلامي قرآني فهم جنوده وأنصاره وأعوانه، وإن لم يجدوا فالحكم من منهاجهم وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله.

 

وعلى هذا فالإخوان المسلمون أعقل وأحزم من أن يتقدموا لمهمة الحكم ونفوس الأمة على هذه الحال، فلا بد من فترة تنتشر فيها مبادئ الإخوان وتسود، ويتعلم فيها الشعب كيف يؤْثر المصلحة العامة على المصلحة الخاصة".

 

وبعض الآراء مشكورة تنادي الآن إلى إدماج الإخوان المسلمين في العمل السياسي؛ ظنًا منهم أن الإخوان بعيدون عن هذا الميدان، وقد مارسوا العمل السياسي بجميع مستوياته منذ أيام الإمام البنا إلى آخر انتخابات جرت في مصر؛ فمجلسا الشعب والشورى، والمحليات، واتحادات الطلاب.. ليست هدفًا في حد ذاتها، ولكنها وسيلة للإصلاح والتغيير.

 

وفي المقابل يسعى النظام المصري بكل ما أوتي من قوة لصرف الإخوان عن العمل السياسي والإصلاحي وتهميشهم بكل الوسائل؛ من خلال: دسترة القوانين، وتزوير الانتخابات، والاعتقالات المستمرة، والمحاكمات الاستثنائية، والقوانين سيئة السمعة، والتشويه الإعلامي، إلى غير ذلك من الوسائل المخالفة للأعراف والقوانين.

 

وبالرغم من كل ذلك فالإخوان المسلمون ماضون في طريقهم بالوسائل السلمية والقانونية؛ من أجل التغيير والإصلاح؛ لكي تتبوَّأ مصرنا الحبيبة مكانتها اللائقة بين الأمم.

-------

* [email protected]