نحاول في هذا المقال توضيح الرؤية حول التعديلات الدستورية المزمع التصويت عليها في الاستفتاء الشعبي يوم السبت الموافق 19 مارس، هذه التعديلات التي يثور حولها جدل كبير حاليًا في وسائل الإعلام، رغم قناعتي الشخصية بأهميتها إقرارها من أجل التخلص من حكم العسكر في أقرب وقت.

 

من الأسئلة التي يطرحها بعض الرافضين لهذه التعديلات:

لماذا نقبل بتعديل بعض مواد الدستور في حين أنه من الأفضل أن يكون لنا دستور جديد يعبر عن المشروعية الثورية التي نشأت عقب نجاح الثورة المصرية؟

 

وإجابة هذا التساؤل هي أنه لا خلاف بين أحد في مصر على أننا نحتاج إلى دستور جديد تمامًا يعبر عن آمال وطموحات الشعب المصري، وهذا الأمر محل إجماع المصريين جميعًا.

 

لكن هناك فرقًا بين التنظير السياسي والواقعية السياسية، فدستور جديد في الوقت الراهن هو النموذج الأمثل لهذا التنظير، في حين أن التعديلات الدستورية هي الواقعية السياسية في اللحظة الآنية، كيف؟

 

الذين يتحدثون عن دستور جديد الآن لا يجيبون عن التساؤل المنطقي حول كيف يوضع هذا الدستور الجديد الآن؟، البعض منهم يجيب بأنه تشكل لجنة تأسيسية لصياغة دستور جديد، وهذا رد غير منطقي، لأن هناك تساؤلاً آخر سيطرح نفسه بالضرورة، ومن يختار هذه اللجنة التي ستكتب دستورًا جديدًا لمصر؟، هل القوات المسلحة هي من ستختار هذه اللجنة؟، إذا حدث ذلك فهذا غير مقبول، لأن المجلس الأعلى لا يعبر عن إرادة الشعب المصري بل هو معين من قبل الرئيس السابق مبارك!!.

 

البعض الآخر يقول يتم انتخاب هذه اللجنة من قبل الشعب المصري مباشرة، وهذا أيضًا رد غير منطقي على الإطلاق، لأن الشعب مطلوب منه أن يختار عندئذٍ بين آلاف ممن سيرشحون أنفسهم لهذه اللجنة فكل محامٍ في مصر وكل رجل قانون سيحرص على ترشيح نفسه لهذه اللجنة حتى ينال شرف المشاركة في وضع دستور جديد لمصر.

 

 ثم من قال إن المرشحين سوف يكونون من رجال القانون فقط؟؟، ثم كيف سيكون شكل ورقة التصويت على المرشحين لعضوية اللجنة؟؟ أعتقد أنها سوف تكون أطول ورقة في تاريخ البشرية لأنه مطلوب حينها أن يوضع بها أسماء مئات إن لم يكن آلاف المرشحين للجنة صياغة الدستور!!، فكيف سيختار المواطن بينهم؟ وكم من الوقت يحتاجه حتى يتعرف على شخصية كل مرشح وقدراته، وكيف ستكون الدعاية الانتخابية لمرشح لجنة صياغة الدستور، وكيف وكيف؟؟؟!!!، وبناءً عليه فعملية اختيار لجنة لصياغة الدستور من قبل الشعب مباشرة فكرة خيالية تمامًا، وليس لها من إمكانية التنفيذ على أرض الواقع أي نصيب.

 

لذلك أرى أنه لا يوجد حل عملي ومنطقي وعقلاني سوى إجراء تعديلات دستورية يكون هدفها فقط لا غير هو ضمان وجود وسيلة اقتراع ديمقراطية سليمة تعبر عن الإرادة الحقيقية للشعب المصري، تتوفر لها كافة الضمانات التي تضمن سلامتها من إشراف قضائي كامل من أول فتح باب الترشيح مرورًا بكشوف الانتخابات إلى إعلان النتائج، مع وجود رقابة إعلامية وحقوقية ودولية على عملية الاقتراع هذه.

 

ومن ثمّ يختار الشعب المصري أعضاء مجلسي الشعب والشورى، والذين سوف يكونون في ظل انتخابات سليمة معبرين عن إرادة الشعب وممثلين له، ثم يختار هؤلاء أعضاء اللجنة التأسيسية التي سوف تضع دستورًا جديدًا للبلاد ثم يتم الاستفتاء عليه من قبل الشعب.

 

مع ملاحظة أن هذا الدستور سوف يكون شارك في وضعه ما يقارب الألف شخص هم أعضاء لجنة صياغة الدستور، وأعضاء مجلسي الشعب والشورى المنتخبين الذي يمثلون الشعب، وكل هذه المراحل لن تزيد على عام بأي حال من الأحوال لأن هذا هو ما تفرضه التعديلات الدستورية التي ستخضع للاستفتاء في 19 مارس القادم.

 

أعتقد أن هذا باختصار هو أبسط الطرق، وأكثرها إقناعًا لمن يريد أن يقتنع، لكن هناك من يرفض ويطالب بإعلان دستوري من قبل القوات المسلحة، والرد على هؤلاء ولماذا لا نعتبر هذه التعديلات هي إعلان دستوري إذن؟! بل إن هناك إعلانًا دستوريًّا بالفعل وهو نص البيان الخامس للقوات المسلحة والذي أعلن فيه تعطيل العمل بالدستور وحل مجلسي الشعب والشورى إلى آخر ما جاء في البيان.

 

طرح آخر يطرحه الرافضون للتعديلات لماذا لا يتم اختيار مجلس رئاسي مؤقت يدير البلاد؟، وإجابة هذا التساؤل أيضًا ومن سيختار هذا المجلس الرئاسي؟! الجيش؟!، وماذا سيحدث إذا حدث خلاف بين أعضاء المجلس الرئاسي، وخاصة أنه لا بد أن يكون بينهم ممثل للجيش، وبالتالي فهو الأقوى، وتعود السلطة الحقيقية مرة أخرى للجيش!!- ودنك منين يا جحا؟!- ثم ما الأفضل أن تخضع مناقشات الدستور بين عدد قليل من الأفراد سواء كانوا القوات المسلحة، أو المجلس الرئاسي، أو حتى رئيس منتخب أولاً قبل مجلس الشعب أم تخضع مناقشات الدستور بين مئات الأعضاء المنتخبين المعبرين عن إرادة الجماهير.

 

في الحقيقة، وبصراحة شديدة هذا الجدل الدائر حاليًا في جانب كبير منه وليس كله بطبيعة الحال ليس هدفه الصالح العام حتى وإن حاول البعض إظهاره بذلك، الأمر باختصار كما يقول المفكر القبطي الدكتور رفيق حبيب (أن هناك نخبًا علمانية عديدة، ومعها بعض الفئات، خاصة من الجماعة المسيحية، تريد وضع دستور جديد، بدون تأثير للقوى الشعبية الحاضرة في الشارع المصري، لأنها ترى أن التيار الإسلامي له الحضور الغالب).

 

 وبهذا يتصور البعض أن وضع دستور جديد قبل الانتخابات التشريعية، يمكن أن يسمح للنخب العلمانية والفئات المؤيدة للعلمانية، بممارسة ضغوط إعلامية وسياسية بأكثر من قوتها الحقيقية في الشارع- لأنها تسيطر سيطرة كاملة على وسائل الإعلام- سواء لتغيير المادة الثانية من الدستور والخاصة بالمرجعية الإسلامية، أو بوضع مواد في الدستور تقيدها أو تفرغها من معناها، حين تضع وجهة النظر هذه إلى جوار نشرته وسائل الإعلام منذ فترة وجيزة حول إعلان هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية من أن أمريكا سوف تقدم مساعدات تقدر بـ140 مليون دولار لدعم الانتقال السلمي للديمقراطية في مصر.

 

أعتقد أن وجهة النظر هذه تكشف في وضوح عن السبب الحقيقي للجدل الذي بلا معنى لدى الكثيرين من هؤلاء والذين استطاعوا للأسف الشديد بحضورهم الإعلامي الطاغي أن يقنعوا البعض برفض هذه التعديلات، كما أدرك يقينًا أن هناك من المخلصين والشرفاء الذين يرفضونها عن قناعة شخصية وليس بأوامر أمريكية أو بنوايا تآمرية وهؤلاء غير معنيين بحديثي هنا على الإطلاق، وهؤلاء أحرار في اختياراتهم.

 

 لكني في النهاية أتوجه بالنداء إلى كل مصري أن يخرج يوم السبت القادم بإذن الله، ويقول نعم للتعديلات، وهذا رأيي الذي يحتمل الصواب بالقدر الذي يحتمل فيه الخطأ، اللهم قد بلغت اللهم فاشهد.