ما يحدث الآن بشأن الجدل واختلاف الآراء حول التعديلات الدستورية يمثل ظاهرةً صحيةً، أفرزها مناخ الحرية بعد ثورة 25 يناير، والعبرة في النهاية برأي الأغلبية التي ستتحرك لأول مرة إلى صناديق الاستفتاء، وهي تشعر أن صوتها سيُسمع، وأن رأيها سيأخذ به، وأن الشعب هو صاحب الإرادة والقرار كما أنه مصدر السلطات.

 

ومن منطلق الوطنية يتحدث الجميع، ولكل رأي وجاهته، وأحب أن أطرح وجهة نظري كطبيب من خلال عملي في المهنة لمدة ثلاثين عامًا، وأضرب المثل بمريض يعاني من فشل كلوي كاد أن يودي بحياته، ثم ظهرت بارقة أمل في طريق الشفاء، وهي أن يوضع على جهاز غسيل الكلى حتى يبدأ في استعادة العافية تدريجيًّا لفترة مؤقتة، لحين البحث عن متبرع له بكلية جديدة سليمة تنقذ حياته، ويعود لحالة الأصحاء بصورة كاملة؛ ليستمر في أداء رسالته في الحياة بعد أن أوشك على مفارقة الحياة.

 

هذه الحالة الطبية تمثل الحالة السياسية التي مرت بها البلاد في الفترة السابقة، والتي من المتوقَّع أن تُنهي النهاية السعيدة إذا صوَّت الشعب بإقرار التعديلات الدستورية التي أشبِّهها بالعلاج المؤقت؛ تمهيدًا للدستور الدائم الذي نسعى لإقراره بعد أن نتخطَّى الانتخابات البرلمانية بصورة غير مسبوقة من النزاهة واختيار الكفاءات العالية المنوطة ببرلمان قوي يأخذ بيد البلاد إلى نهضة تشريعية تقوم على أساسها نهضة كل المجالات التنموية الأخرى.

 

أما لو حدث ورفضت التعديلات الدستورية فكأنما رفض الأطباء توصيل جهاز الغسيل الكلوي للمريض؛ بحجة أن الجهاز غير صالح ومطعون في كفاءته أو في دول المنشأ، ولا بد من زرع كلي في الحال، ونحن لا نستطيع الحصول عليها بين أيدينا؛ ما قد يتسبَّب في وفاة المريض أو تدهور حالته على الأقل.

 

إن الرأي الأمثل غير موجود في ظل الظروف الاستثنائية التي نمر بها، ولكن حسب القاعدة الشرعية باتباع أخف الضررين وتفويت المصلحة السفلي لتحقيق المصلحة العليا، وليس هناك دواء بدون أضرار جانبية، ولا قرار بدون تحفظات؛ لأننا نعيش في الدنيا والكمال لله وحده عز وجل.

 

أخشى أن تفوت من بين أيدينا الفرصة ونترك الزمن يسبقنا؛ فيؤدي ذلك إلى زيادة الانفلات الأمني وسيطرة البلطجية وفلول النظام السابق والعودة إلى الوراء وجرّ البلاد إلى ما لا يحمد عقباه، علاوةً على عدم الاستقرار الذي سيلقي بظلاله على كل شئون الحياة، وإضافة عراقيل على كاهل القوات المسلَّحة المخلصة والصادقة، ولا داعي للمخاوف والفزَّاعات التي انتهت بعد الثورة، ولنثق في أنفسنا، ولنحسن الظن بكل الناس، وفي النهاية أقول (نعم) للتعديلات الدستورية برؤية طبية وروح وطنية ووجهة قومية.