ما أشبه اليوم بالبارحة!، واليوم هو شهر مارس سنة 2011م، والبارحة هي شهر مارس سنة 1954م، والفرق بينهما سبعة وخمسون عامًا قضيناها جميعها في ظل حكم دستوري فردي، كان وطنيًّا يرعى المصلحة الشعبية في ثلثه الأول، وصار لا يرعى مصالح الوطن ولا المواطنين في ثلثيه الأخيرين.

 

أما البارحة، فقد كنا وقتها في عهد السنوات الأولى لثورة 23 يوليه 1952م، طُرِد الملك فاروق بعد خلعه، وتولَّى الجيش السلطة السياسية، وأُعلنت الجمهورية، وقُضِى على الطبقة الحاكمة السابقة، قضي على ما سُمِّي بالإقطاع الزراعي، وأُلغيت الأحزاب السياسية، وأُلغي دستور 1923م، وقام بحكم مصر "مجلس قيادة الثورة" بحسبانه يجمع السلطة كلها بغير برلمان ولا دستور، وبإعلان دستوري مختصر، وأن الفترة الانتقالية تستمر ثلاث سنوات تنتهي أول سنة 1956م، عظم الضغط الشعبي على مجلس قيادة الثورة من خارج الجيش ومن داخل وحداته وأسلحته، يطالبون رغم تأييدهم إلغاء الملكية والقضاء على الإقطاع بإقامة نظام دستوري وعودة البرلمان وعودة الحياة الحزبية، وإلغاء حالة الطوارئ (كانت تسمَّى حالة الأحكام العرفية).

 

وخضعت قيادة ثورة 23 يوليو لهذه المطالب، فأعلن مجلس قيادة الثورة في 5 مارس 1954م أنه سيلغي حالة الطوارئ، وسيشكِّل جمعيةً تأسيسيةً لإعداد الدستور وسيلغي الرقابة على الصحافة والنشر، ثم في 25 مارس قرر مجلس قيادة الثورة حلَّ نفسه والسماح بقيام الأحزاب وانتخاب جمعية تأسيسية، وذلك كله في 24 يوليه سنة 1954م، وبدا بهذا أن الوجه الديمقراطي لثورة 23 يوليو قد غلب وجهها الآخر، وأن الأسلوب الديمقراطي والأهداف الوطنية والشعبية انتصرت على الأسلوب الآخر.

 

ولكن فاجأت هذه القرارات الديمقراطية الكثيرين، وقالوا إن هذه القرارات الخاصة بالحريات العامة وبصياغة نظام الحكم على أسس حزبية برلمانية منتخبة من الشعب؛ قالوا إن ذلك من شأنه أن يعيد العهد الماضي البغيض، وأن يُعيد حكم الباشاوات السابق، وأبدَوا الهلع والفزع من عودة طبقة حاكمة كانت هُزمت فعلاً وأُطيح بها من مقاعد الحكم ومن نظام اجتماعي كانت تقوَّضت قوائمه، وأبدى المنتصرون الهلع والفزع من المهزومين، وبدأت موجة من المظاهرات والإضرابات تطالب بعودة مجلس قيادة الثورة.

 

يصف المؤرخ عبد الرحمن الرافعي ذلك: "وأضرب عمال النقل احتجاجًا على عودة الأحزاب المنحلَّة، وقرَّرت نقابتهم استمرار مجلس قيادة الثورة في مباشرة سلطاته وعدم الدخول في معارك انتخابية حتى جلاء المستعمر، فتوقفت القطارات ووسائل النقل في البلاد، وبلغ عدد العمال المضربين مليون عامل" (كان تعداد مصر وقتها نحو 24 مليون نسمة)، وقيل وقتها إن مظاهراتٍ سارت تهتف بسقوط النظام الحزبي والديمقراطية.

 

وبهذا الضغط من الخائفين من الديمقراطية يذكر أيضًا عبد الرحمن الرافعي: "رأوا أن الثورة مهدَّدة بالانحلال إذا نفّذت قرارات 5 و25 مارس، وأن البلاد ستعود إلى الفوضى وإلى نفس الأحزاب المنحلة، فأصدروا قرارات إجماعية بإلغاء قرارات 5 و25 مارس، وشفَّعوا ذلك بالاعتصام حتى تُلغى هذه القرارات "وحمَّلوا مجلس قيادة الثورة مسئولية ما يقع من حوادث إذا لم تجب مطالبهم".

 

●●●

تحدد في هذه الأيام القليلة من شهر مارس 1954م نظام الحكم المصري لسبع وخمسين سنة تلت، وكان وجه العجب في هذا الموقف أن جماهير من الشعب المصري فزعت من عودة الديمقراطية والبرلمانية، وكأنهم سيواجهون بذلك خطرًا مهددًا ومعضلةً كبيرةً، وأنهم فارقوا بين الثورة والديمقراطية الانتخابية وكأنهما ضدان لا يلتقيان، وكانوا غير واثقين من أنفسهم إزاء نظام حكم وإدارة يبشرهم بأنهم هم من سيملكون اتخاذ القرارات فيه وتكون لهم الهيمنة، والأخطر من ذلك والأشد مدعاةً للعجب أنهم خافوا ممن هزموهم وأقصوهم عن الحكم وعن السيطرة الاجتماعية الاقتصادية، وصار أمامنا السؤال: كيف يخاف الإنسان ممن هزمه، وإذا كان الإنسان خائفًا من خصم فكيف تقدَّم وهزمه وأجبره على ترك مكانه، وإذا كان هزمه وأقصاه فكيف يخاف منه من بعدُ، بعدَ أن فقد القدر الأكبر من قوته بترك السلطة ووسائطها في القمع والترويع، وكيف يخاف الإنسان من الشبح أكثر مما يخاف من الواقع، وهل يخاف الإنسان من فلول جيش منهزم بأكثر مما نخاف من الجيش وهو بكامل عدته؟!!

 

مازلت أذكر رسمًا كاريكاتوريًّا رسمه في ذلك الزمان الرسام "عبد السميع" بمجلة (روزاليوسف)، رسم أسدًا داخل قفص من قضبان حديدية، وباب القفص مفتوح وفي خارجه يقف الحارس خائفًا، والأسد يجلس داخل القفص المفتوح ويقول للحارس ما معناه: "أغلق الباب لأنه يُدخل تيار هواء يؤذيني"، وهذا بالضبط ما كان يعبِّر عن تناقض المواقف وقتها، والذي يفسر عدم الثقة أو فقدان الثقة في الذات وإرادتها الجماعية الحرة وما يتاح لها من خيارات، وتركن إلى الاعتماد على الانسياق الجبري، الحرية هي الصقيع والانسياق هو الدفء.

 

وهناك من "الديمقراطيين" من اعتاد على موقف المواجهة مع الحكام المستبدين، مطالبًا بالديمقراطية، ورافضًا الاستبداد، ولكنه اعتاد على موقف المطالبة، فإذا صار في وضع التمكن من الممارسة الديمقراطية فزع من الذات وعمل على أن يعود إلى وضعه الأول، وضع وجود الاستبداد وبقائه هو في موقف المطالبة والاعتراض والتحدي.

 

●●●

عندما انتهى شهر مارس 1954، كانت مصر قد عادت إلى نظام سياسي غير حزبي وغير ديمقراطي، وبقيت في هذا النظام طوال عهود لثلاثة حكام، ولم تبدِ فرجةً للخروج من هذا النظام إلا أخيرًا جدًّا في 25 يناير 2011م؛ أي لم تتحْ للمصريين فرصة جادَّة وحقيقية للخروج من النظام الفردي الاستبدادي إلا بعد سبع وخمسين سنة؛ بمعنى أن أحداث مارس 1954م حكمت نظام الحكم في مصر طوال هذا الزمن الطويل، وأنا هنا أشير إلى مدى الجسامة والخطورة للحدث الذي نحياه الآن وما يطرح من بدائل.

 

وأبادر بالتنويه أنني بهذا الحديث الذي سقته آنفًا، لا أقصد الحديث عن نظام الرئيس جمال عبد الناصر رحمه الله وأجزل له المثوبة على ما قدمه لبلده ووطنه، لا أقصده لسببين: أولهما: أن فترة الثمانية عشر عامًا التي تمثل عهد عبد الناصر من 1952م إلى 1970م، هي أكثر فترة تمتعت فيها مصر باستقلالها السياسي في القرن العشرين، ومارست موجبات هذا الاستقلال، حفاظًا على أمنها القومي وبناء أسس نظام داخلي يرعى المصالح العليا للشعب المصري ويكفل تنمية موارده والعدالة الاجتماعية. وثانيهما: أن ثورة عبد الناصر كانت وعدت بالاستقلال الوطني وإجلاء المحتل الإنجليزي عن مصر ووفت بهذا الوعد، وكانت وعدت بالعدالة الاجتماعية ووفت بعهدها أيضًا، ووعدت بحفظ الأمن المصري القومي وجهدت بصدق وأمانة في الوفاء به في مواجهة ظروف دولية شديدة الصعوبة، ولم يكن وعدها الأساسي يتعلق بالنظام الحزبي البرلماني الانتخابي.

 

ولكننا من تجربة مارس 1954 نظن أنه لو كان تحقق النظام الديمقراطي بمؤسساته الانتخابية مع وطنية نظام عبد الناصر وسعيه لبناء مصر بسياسات التنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية وحفظ الأمن القومي، لكان أمكن لمصر بعد عبد الناصر أن تحفظ منجزات عهده، إنما ما آلت إليه أوضاع الحكم غير الديمقراطي في ترسيخ سلطة الفرد الحاكم، هي ذاتها ما انتكست به كل منجزات الفترة الناصرية، في عهدي أنور السادات وحسني مبارك، اللذين عارضاه وخالفاه في كل سياساته الوطنية والاجتماعية، فلم يوافقاه إلا في نظام الحكم الفردي الاستبدادي، واستخدما سلطات هذا النظام الفردي في تقويض كل ما شيّدت مصر في العهد الناصري وفي عهد ثورة 1919م السابق عليه وكان مارس 1954م هو شهر الحسم بين نظام ديمقراطي انتخابي ونظام فردي.

 

●●●

واليوم في مارس 2011م، تسنح فرصة البناء الديمقراطي الدستوري بثورة 25 يناير، وهي ثورة لم تطرح أي هدف سياسي آخر لها في المجالات الوطنية والاجتماعية، وإنما طرحت هدفًا سياسيًّا تنظيميًّا بحتًا؛ هو تحقيق النظام الديمقراطي، بشقيه الحزبي والانتخابي، وتشكيل المؤسسات الدستورية الجماعية الانتخابية التي لا تتيح فرصةً لظهور حكم فردي من بع-ـ إن شاء الله سبحانه- ومن ثم يكون ضياع هذا الهدف أو عدم تحققه هو إفشالاً كاملاً للفعل الثوري القائم.

 

وفي هذا الظرف نجد في التوِّ واللحظة فريقًا من أهل مصر، المثقفين والساسة والإعلاميين، يثيرون ذات المخاوف من الديمقراطية التي ظهرت سنة 1954م، ويقولون إن انتخابات في عدة شهور قليلة من شأنها أن تفكك الثورة وأن تعيد الحزب الوطني الحاكم السابق، وهو الحزب المهزوم بفعل ثورة لا تزال قائمة، وإن ممارسة الديمقراطية "المبكرة" من شأنها أن تفكك احتمالات البناء الديمقراطي، غير مدركين فيما يبدو ما في هذا القول من تناقض، فلو كانت جماهير الثورة الحاصلة تخاف من الحزب الوطني الحاكم فيما سبق، فَلِمَ قامت الثورة تتحداه؟ وما دامت هزمته فكيف تخاف من بقاياه؟!

 

وهم يطالبون أن تطول فترة حكم مصر بغير انتخابات تشريعية، وأن تبقى محكومةً؛ إما بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي أعلن عن تحديده لمدة حكمه بالشهور والمهام المحددة أو بمجلس رئاسي لم نعرف من يقترحون أن يكون المعيِّن لهم، أو بانتخابات رئيس جمهورية لا يزال مجهولاً لدينا جميعًا حتى الآن، ويكون انتخابه قبل كل مؤسسات الدولة التشريعية بمثابة توليه لسلطة مطلقة تجمع السلطتين التنفيذية والتشريعية بغير وجود كيان موازٍ له يحد من سلطته، ويبقى كذلك حتى تتكون المجالس التشريعية بالانتخاب، وهؤلاء المطالبون بطول مدة الحكم الفردي يقولون ببقائها حتى تنشأ الأحزاب الجديدة وتنمو وتستعد لملء الفراغ السياسي، وكأن الحاكم الفردي المطلق المشيئة سيكون بالنسبة للأحزاب الوليدة كالأب الحنون على أولاده الصغار، فيرعاهم ويصبر عليهم وعلى تنميتهم ليقطعوا أجزاء من سلطته ويحدوا نفوذه المطلق، أي يكون حاكمًا يتعهَّد منافسيه ومقيديه بالرعاية حتى ينافسوه جيدًا.

 

إن كل ما نصنعه الآن هو تكوين مؤسسات ديمقراطية لهذه الفترة الانتقالية المحددة لنضع من خلالها دستورًا ديمقراطيًّا جديدًا؛ لأن الفترة الانتقالية إن كانت مبنيةً على أسس نظام استبدادي أو فردي فلن تنتج إلا نظامًا جديدًا استبداديًّا وفرديًّا، أما إن توافر فيها عنصر الاختيار الإجماعي الحر والعمل الجماعي المشترك الممثل لجماهير الشعب، فالغالب إن شاء الله أن تنتج مثيلاً لها في الجوهر في هيئة دستور جديد.

 

ثورة ناجحة استطاعت أن تجمع بعملها السلمي الثوري أكثر من عشرة ملايين مواطن في يوم واحد بمدن مصر العديدة، وأن يبقى نفسها التجمعيي هذا أيامًا وأيامًا حتى أسقطت رءوس النظام السياسي القابض على السلطة وحتى نحقق النقل المؤقت للسلطة لإنشاء سلطة جديدة، هذه الثورة بجمهورها كيف تخاف ولا تطمئن إلى نتيجة انتخابات تُجرى وهي في عز زخمها وحركيتها الجماهرية الواسعة.

 

إلى من يخافون من الديمقراطية الانتخابية، أذكر لهم قول أبي العلاء المعري:

فيا عجبا من مقالاتهم.. أيعمى عن الحق هذا البشر

والحمد لله.

--------

* الشروق في 17/3/2011م.